أفكار ومواقف

مشروع بيرس الجديد

التناقضات داخل المجتمع الفلسطيني لا تقاس اذا ما قورنت مع شدة تناقضات المجتمع الاسرائيلي. وهذا يقودنا الى سؤال لماذا نسمح لتناقضاتنا الداخلية بأن تدفع بفكرة استئصال الآخر لتكون مفهموما عملياتيا في تعامل القوى السياسية الرئيسية مع الخصوم السياسيين داخل البلد او الوطن الواحد؟! أسوق هذا التساؤل لأقرأ ما قاله الرئيس شيمعون بيرس؛ فبعد قضاء ما يقارب من نصف قرن من العمل كعضو في الكنيست، وكل المناصب تقريبا في السلطة التنفيذية، انتقل شيمعون بيرس الى موقع آخر أقل تأثيرا من اي منصب كان قد تولاه في الماضي. سأتوقف عند كلمته التي ألقاها في يوم تتويجه رئيسا لاسرائيل. يقول بيرس بأن مهمته هي توحيد الامة، يقصد الاسرائيليين وخصوصا اليهود منهم. بالرغم من مواقف بيرس طيلة السنوات كأحد عناصر الاستقطاب داخل السياسة الاسرائيلية يريد ان يعمل على توحيد الأمة.


بالرغم من مركزية الموقع الذي استلم بيرس زمام اموره وبصرف النظر عن الاشارات الأخرى التي وردت في خطابه تكاد تكون هذه العبارة ابلغ ما جاء فيه. فبالنسبة له فإن أحد اهم مقومات المنعة هو توحيد الامة. لم يقصد التوحيد على طريقة الاقصاء او التصفية للمعارضين وانما هي المحافظة على الفوارق الداخلية والتمفصل العرقي والمذهبي داخل الدولة ما يمنح الدولة قوة اضافية.


هنالك إدراك اسرائيلي، يكاد يكون عالميا، ان التنوع الداخلي في المجتمع انما هو مصدر لقوة الدولة. ويوجد في اسرائيل اطار عام لحل الخلافات الداخلية دون ان تكون ثمة حاجة لطرف بأن يقوم بإقصاء الآخر بهدف الغائه. برأيي وبصرف النظر عن عدم وجود مصداقية لبيرس داخل المجتمع الاسرائيلي فإنه يطرح نفسه وبقوة كنموذج لباقي الرؤساء. فيدرك ان مهمته غير السهلة تحتاج الى جهود جبارة نظرا لعمق الاختلافات داخل المجتمع الاسرئيلي.


والحقيقة ان نظرة متأملة لطبيعة وتطور المجتمع الاسرائيلي منذ ايام اليشوف الى وقتنا الحاضر تبين شدة التناقضات والاختلافات الداخلية وعمقها وتخندقها لدرجة تثير الشكوك حول مستقبل المجتمع. وبعض خبراء العرب عن اسرائيل يتوقعون وبسذاجة ان التناقضات الداخلية ما هي الا مقدمة لتذويب او استئصال اسرائيل!


سبب قوة المجتمع الاسرائيلي هو اتفاقه على الهدف الاسمى للمشروع الصهيوني الا وهو المحافظة على يهودية الدولة والتزام الجميع بالديمقراطية كإطار لحل الخلافات في أساليب تحقيق ذلك. فالنظام السياسي يدور حول الفكرة الرئيسية للصهيونية إذ نشأ وتطور بما يسمح لكل المصالح الضيقة والوطنية بالتعبير عن نفسها بحيث تمثل سياسيا. لا اذيع سرا اذا قلت ان الامر هو نتاج الديمقراطية وليس نتيجة مؤامرة او عقلية اسرائيلية(سوبرمانية).


بالرغم من جدلية بيرس اينما حل، فإنه يظهر ومنذ البداية وضوحا في الرؤية الى اين سيتجه في عمله. لا اعرف اذا ما كان سينجح في مسعاه أم لا! لكن مواقفه من العملية السياسية ستجلب له مشاكل سياسية كثيرة.


بيرس يقدم رؤية لتوحيد الامة في الوقت الذي لا يملك فيه رأس السلطة الفلسطينية القدرة على صياغة موقف بهذا الاتجاه اي توحيد الامة الفلسطينية المنقسمة على نفسها. والسؤال الآن: لماذا يخفق بعض الرؤساء في منطقتنا في وضع رؤية واضحة لمواجهة التحديات التي تعصف بمجتمعاتنا العربية؟!


الانقسام الفلسطيني بين غزة وحماس سببه غياب قادة تاريخيين يستطيعون وضع هدف استراتيجي واحد يعبر عن تطلعات الفلسطينيين ويضع اطارا سياسيا ديمقراطيا ينظم عملية التنافس الداخلية دون ان يعني ذلك الاستئثار بالسلطة اذا ما وصل فريق الى سدة الحكم عن طريق صناديق الاقتراع. اتمنى أن ارى قائداً واحداً يقود العمل على توحيد الفلسطينيين حول هدف يجمع الجميع ويثبت جدية مواقفه!


hassan.barari@alghad.jo

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. ستعود فلسطين حرة عربيه مستقله لو تحققت أمنية الكاتب.
    أستاذ حسن، شتان بين الخيال والحقيقه أو الواقع، لقد ناقشنا نحن المغتربين العرب أزمة التفسخ العربي والفلسطيني ومسألة توحد الاسرائيلين على هدفهم وتحقيق تطلعاتهم وأهدافهم على الرغم من الهوه الكبيره العدديه بينهم وبين العرب¡ لقد ذكر لي أحد الشباب الفلسطينيين من عرب 48 المقيمين تحت حكم الاحتلال ومن العارفين جدا للعقليه الاسرائيليه، محاولا التقليل من أوهام العرب حول قوة الترابط والتوحد بين الاسرائيليين¡ يقول بأن الاسرائيليين يتوحدون فقط ضدنا كعرب وفلسطينيين خاصة¡ فلولا وجود الأزمه الفلسطينيه لسوف يأكلون بعضهم بعضا، يعني هناك خلافات كثيره وعقيمه بداخل المجتمع الاسرائيلي الذي يجهله الكثير من العرب ولكنهم يتوحدون ضدنا¡ وهناك مقوله عربيه تقول (اذا اجتمع عربيان فانهم ينتجون ثلاثة أحزاب)¡ كلمة حق أوردها الكاتب بأن الاسرائيلين يتفقون ويناقشون خلافاتهم بديموقراطيه ولا يحاولون أبدا مهما احتدت الخلافات بينهم لأن يلغي أحدهم الآخر¡ بينما نرى الصراع الفلسطيني بين فتح وحماس يصب في هذا الاتجاه (محاولة الغاء الآخر) ولا أشك اطلاقا بأنه لو تحققت نبوءة الكاتب وأمنيته بوجود قائد يوحد الفلسطينيين¡ بلا شك ستعود فلسطين حرة عربيه مستقلة، ودمتم.

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock