ترجمات

مشكلة “الآن”

جون مارتن فيشر* – (مجلة أيون) 8/1/2021
ترجمة: علاء الدين أبو زينة

قد تكون الوصية بأن تغمس نفسك في الحاضر قوية نفسياً، ولكن هل هي ذات معنى ميتافيزيقي؟

  • * *
    أكد العديد من المعلمين الروحيين فكرة وجود المرء “في الحاضر” بالكامل. ويروج مؤيدو الممارسات التأملية من مختلف الأنواع للتأمل باعتباره وسيلة لاستغراقك الكامل في اللحظة الراهنة، وعدم العناية بالماضي أو المستقبل. وعادةً ما يشير المعلمون الروحيون (بمن فيهم مؤلفون بارزون) وأنصار التأمل، نمطياً، إلى العديد من الفوائد لكونك حاضرًا بشكل كامل في “الآن”. ويقول المؤلف المعاصر البارز، إيكهارت تول Eckhart Tolle في كتابه “قوة الآن” (1997): “منذ العصور القديمة، أشار المعلمون الروحيون من جميع التقاليد إلى ‘الآن’ باعتباره المفتاح للبُعد الروحي”.(1)
    ومع ذلك، لا يترك البعض الأمور عند هذا الحد. إنهم لا يجادلون ببساطة لمصلحة مزايا التواجد في اللحظة الراهنة على أساس الفوائد النفسية أو الفوائد العمَلية الأخرى. بدلاً من ذلك، يشيرون إلى “تفرد” اللحظة الراهنة: فكرة أن “الآن” هو كل ما لدينا (مؤقتًا). وسوف أستخدم “التفرد” كما هو في ادعاء “اللحظة الراهنة متفردة”، للإحالة إلى فكرة “كون الشيء متفرداً ومتفرداً فقط”. و”أطروحة التفرد” singularity thesis هي فكرة أن اللحظة الراهنة هي كل ما لدينا -الزمن الوحيد، والوحيد فقط. وتذكرنا فرقة “الشفاه المشتعلة” بهذه الفكر في أغنيتها “كل ما لدينا هو ‘الآن’” (2002). (2) وما سأسميه “أطروحة الصلة” connection thesis هو ادعاء مركزي للعديد من الممارسين الروحيين والمؤلفين والمحاضرين وقادة ورش العمل؛ قوامُه الزعم أنه يجب علينا تركيز انتباهنا الكامل على اللحظة الراهنة، بالتحديد بسبب تفردها.
    وجهة النظر المأخوذة في الاعتبار والفكرة الجاري تأملها هي: على الرغم من أنه قد يبدو لنا أن الأزمان الأخرى -الماضي والمستقبل- هي أهداف مناسبة للانتباه، فإننا يمكن أن نفهم (فكرياً وفعلياً) أن هناك، بمعنى أساسي (ربما يصعب تحديده)، “الآن” فقط، وبذلك ينبغي أن يتركز انتباهنا عليه. وإذن، سوف يعتمد هدفنا المناسب للانتباه الكامل على -وينشأ من- التفرد.
    يمكن قول إن أهمية “الآن” تشكل فكرة أساسية في مختلف التقاليد الدينية والصوفية. كما أكدها العديد من المعلمين الروحيين، بما في ذلك رام داس، وجدو كريشنامورتي، وجون كابات زين، وآلان واتس. بل إن البعض صاغوا فرضية للتفرد. وربما يكون المعلم الروحي الأكثر بروزًا والمعاصر الذي يؤكد كلا من التفرد الأنطولوجي للحاضر، وأيضًا أطروحة الصلة، هو تول، الذي يجمع -ويعيد صياغة- العديد من رؤى مجموعة واسعة من المفكرين. وهو لا يسلط الضوء فقط على ما يعتبره حقيقة أن الحاضر هو اللحظة الوحيدة، والوحيدة فقط، ولكنه يؤكد صراحة أيضًا أنه يجب علينا أن نولي اهتمامنا الكامل للحاضر، بالتحديد بسبب هذا التفرُّد.
    من خلال وسائط مختلفة، بما في ذلك العديد من الكتب المقروءة على نطاق واسع، جلب تول أفكارًا حول الروحانية، واليقظة، والتأمل، للملايين من الناس. وفي صميم هذا كله ثمة دعوته ودفاعه عن أطروحة الصلة.
    على سبيل المثال، في كتابه “قوة الآن”، كتب تول:
    “إنني أدرِك بعمق أن اللحظة الراهنة هي كل ما لديك على الإطلاق. اجعل ‘الآن’ موضع التركيز الأساسي في حياتك… قل دائمًا ‘نعم’ للحظة الراهنة. ما الذي يمكن أن يكون أكثر عبثية، أكثر جنونًا، من صنع مقاومة داخلية لشيء كائن مُسبقاً؟ ما الذي يمكن أن يكون أكثر جنونًا من معارضة الحياة نفسها التي هي الآن، ودائمًا الآن؟ استسلم لما هو كائن. قل ‘نعم’ للحياة -وشاهد كيف تبدأ الحياة فجأة في العمل لكَ، وليس ضدك”.
    و: “الآن (هو) أغلى شيء كائن. لماذا هو أغلى شيء؟ أولاً، لأنه الشيء ‘الأوحد’… الحياة هي الآن. لم يكن هناك وقت لم تكن فيه حياتك ‘الآن’، ولن يكون هناك أبدًا”.
    وأنا مهتم بالأفكار التي اقترحتها ملاحظات تولي بوضوح، كما هي مقتبسة أعلاه -وإنما ليس بالانخراط في تمرين تأويلي. سوف تكون هذه الادعاءات مسيطرة ومؤثرة للغاية، سواء كانت تفسيرات دقيقة تمامًا لآراء تول الشاملة أم لا، عند إعادة بنائها تحليليًا. وسوف تجعل إعادة البناء هذه المجموعة الكاملة من وجهات النظر متسقة -وهي مهمة ليست سهلة.
    ولنبدأ بالنظر في ادعاء أن اللحظة الراهنة فريدة من نوعها أنطولوجياً -الزمن الوحيد والوحيد فقط، وهي بالتالي كل ما لدينا. يمكن طرح هذا الادعاء بتفرد الحاضر بطرق مختلفة، بما في ذلك “إنها دائمًا ‘الآن’”. والفكرة هي أنه إذا كان الزمن دائمًا هو نفسه، أي “الآن”، فإن هناك زمناً واحداً فقط -“الآن”. كان هو ذلك الزمن نفسه بالأمس، وهو ذلك الزمن نفسه في اللحظة الراهنة، وسيكون ذلك الزمن نفسه غدًا: لم يكن لنا أبدًا -ولن يكون لدينا- أي زمن آخر غير “الآن”.
    قد يبدو تفرد “الآن” وكأنه استبصار عميق وهائل. إنه نقطة انطلاق لاستراتيجيات متنوعة أكثر عملية للاستنارة وتعزيز الذات. لكن الادعاء بأنه دائمًا “الآن” سخيف للغاية بحيث إنه لا يمكن أي يدعم أي استدلال مثير للاهتمام، وثمة طرق أخرى لتبرير هذه الاستراتيجيات والممارسات نفسها.
    ماذا بالضبط يعني أنه دائمًا “الآن”؟ أعتقد أن أفضل طريقة لتفسير الادعاء هي أولاً ملاحظة أن مصطلح “الآن” هو مصطلح تأشيري indexical. بمعنى أنه يتم استخدامه بمرونة للإشارة إلى الزمن المحدد عند استخدامه، وليس الزمن نفسه في كل مرة يتم استخدامه فيها. وبالمثل، فإن “هنا” هو مصطلح تأشيري أيضاً، والذي يتم استخدامه بمرونة للإشارة إلى المكان الذي تم نطقه فيه، وليس نفس المكان حيثما يتم نطقه. “الآن” مؤشر زماني، و”هنا” مؤشر مكاني.
    وبالتالي، فإن ما هو صحيح بلا لُبس هو أنه إذا كان أي شخص يفكر أو يقول “إنه الآن”، فإن الافتراض المعبَّر عنه سيكون صحيحًا. وتفسر رؤية أن “الآن” هو مؤشر زمني السبب في أن عبارة “إنه الآن” صحيحة دائمًا، وبهذا المعنى، فإنه دائمًا “الآن”. إذا كنت لأقول أو أفكر بأن “إنه ‘الآن’ يوم الاثنين” في يوم الاثنين، فإن “الآن” ستشير إلى يوم الاثنين. وإذا كنت سأقول أو أفكر بـ”إنه ‘الآن’ يوم الثلاثاء” في يوم الثلاثاء، فإن “الآن” ستشير إلى يوم الثلاثاء. وهكذا دواليك بالنسبة لكل عبارة أو فكرة حول “أنه الآن …” في الأيام اللاحقة.
    باستخدام قواعد الاستخدام اللغوية، تساعد “الآن” على تعريف اقتراح يتم التعبير عنه من خلال العبارة التي تحدث فيها، مساهِمة في زمن مختلف في مناسبات مختلفة للاستخدام. وهكذا، في حين أن عبارة “إنه الآن” صحيحة دائمًا، فإنه لا تبع ذلك، وليس صحيحًا أن، العبارة تعبر دائمًا عن الافتراض نفسه. وبالتالي، فليس صحيحًا أنه دائمًا “الآن”، بمعنى أنه دائمًا الزمن نفسه -الزمن الوحيد الذي لدينا.
    وهكذا، فإن الاستبصار الأولي، الذي تجعله صحيحاً القواعد الدلالية المتعلقة بالمؤشر الزمني “الآن”، تافه للغاية بحيث لن يتضمن الادعاء الموضوعي والمهم: أطروحة الصلة. بتفسيرها على أنها صحيحة، فإن الفكرة الحدسية القائلة إنه دائمًا “الآن” لا تدعم الاستدلال الحاسم الذي ينبغي أن نركز عليه في الحاضر بسبب تفرده -لأنه كل ما لدينا.
    هل الادعاء بتفرد الحاضر حقيقة يمكن الوصول إليها من خلال تجربة صوفية أو من خلال التأمل؟ بما أن التأمل يتضمن عادةً الانغماس الكامل في “هنا” و”الآن”، فإن هذا التفسير المقترح سوف يبدأ بالانتباه الكامل إلى “الآن”، وهو ما سيؤدي إلى رؤية “التفرد”. ومع ذلك، فإن هذا يجعل منطق الرؤية يتراجع، لأن الفكرة الرئيسية هي أننا نبدأ بنقطة التفرد ثم نستنتج مدى صلاحية الانغماس الكامل.
    لاحظنا أعلاه أن “هنا” هي مؤشر مكاني، تمامًا مثلما هي “الآن” مؤشر زماني. وعندما يفكر المرء -أو يؤكد- “أنا هنا الآن”، فإن هذا صحيح. والأمر بالمثل بالنسبة لـ”أنا هنا”. ومع ذلك، لا يعني هذا أن هناك مكاناً واحداً فقط، أو أن مكاننا الحالي هو المكان الوحيد الأوحد -المكان الوحيد الذي لدينا. سوف يكون هذا انتقالًا زائفًا، واستنتاجًا منطوياً على مغالطة من النوع الذي حددناه أعلاه فيما يتعلق بـ”الآن”.
    في فلسفة الزمن، ثمة مشهدان رئيسيان: “الحاضرية” presentism، و”الأبدية” eternalism. ويرى “الحاضريّ” أن اللحظة الراهنة فقط حقيقية أو موجودة، بينما يرى “الأبديّ” أن كل لحظة هي حقيقية أو موجودة بالمقدار نفسه. ومن الواضح أنه لا يمكن للمرء أن يطرح فرضية التفرُّد (أو أطروحة الصلة) على افتراض الأبدية. فبعد كل شيء، ترى الأبدية أن جميع الأزمان حقيقية بالمقدار نفسه.
    ربما يتبنى مؤيد فرضية الصلة عقيدة الحاضرية، التي على أساسها يستمر في المحاججة بأن اهتمامنا الكامل يجب أن يتركز على الزمن الوحيد الموجود –”الآن”. ولكن، لاحظ، مع ذلك، أن “الحاضرية” لا تستلزم أن نركز فقط على اللحظة الحالية. من الممكن أن نتعامل مع حضور كيانات غير موجودة، مثل الشخصيات القصصية المتخيلة؛ يمكنني تركيز انتباهي على “ماكبث”، على سبيل المثال. ومن الممكن أن نركز انتباهنا على مخلوقات خيالية، مثل الحصان وحيد القرن، أو “الهوبيت”، وأيضًا على أفراد غير موجودين حاليًا، مثل أرسطو أو كانط. (تلقيت دروسًا في الفلسفة!) ويمكننا أيضًا التفكير في احتمالات لمستقبلنا -في مسارات مختلفة يمكن أن تسلكها حياتنا بينما نمضي في المستقبل. إن “الأبدية” و”الحاضرية” هما نظرتان متعلقتان بالميتافيزيقيا، وليس بعلم النفس أو بالتفكير العملي. وقد رددت صدى هذه الفكرة فرقة “فليتوود ماك” حين واجهت أغنية فرقة “الشفاه المشتعلة، بأغنيتها في العام 1977: “لا تتوقف عن التفكير في الغد”.(3)
    ليست فكرتي أن مجرد حقيقية هذه الاحتمالات تملي أنّ علينا الاهتمام الكامل والوحيد بأي منها. بدلاً من ذلك، ليس هناك ضرورة أو حتمية للتركيز على اللحظة الراهنة فقط، بناءً على حقيقة (إذا كانت حقيقة حقاً) أنها اللحظة الوحيدة الموجودة أو الحقيقية.
    إليك طريقة يمكن للمرء أن يسعى للدفاع بها عن أطروحة الصلة، بناءً على (أو على الأقل الافتراض المسبق لـ) “الحاضرية”. حسب هذه النظرة، فإن اللحظة الراهنة هي كل ما لدينا لأن الحاضر فقط هو الموجود أو الحقيقي؛ وهكذا، لا يمكن لأفعالنا أن تحدث إلا في الزمن الحاضر فقط. ولنتذكر أن تول قد أوضح (كما هو مذكور أعلاه) أنه لا يمكن لشيء أن يوجد -أو أن يحدث- خارج “الآن”. وبالمثل، لا يمكن للمرء أن يتصرف إلا في “الآن”، بالنظر إلى أن الحاضر هو كل ما لدينا. “الآن” هو حيث يوجد العمل.
    لكن هذا، مع ذلك، غير مقنع. ولمعرفة السبب، نحتاج إلى التمييز بين الأعمال “الأساسية” و”غير الأساسية”. بشكل تقريبي، العمل الأساسي هو إجراء يقوم به المرء، ولكن ليس من خلال القيام بأي إجراء آخر. ويعتقد البعض أن الأفعال الأساسية عقلية -ربما أفعال إرادة، أو اختيارات أو قرارات. ويعتقد البعض الآخر أنها حركات جسدية (حيث يمكن أن تشمل السكون). وعلى سبيل المثال، ضغط الزناد (أو ربما اختيار ضغط الزناد) سيكون إجراءً أساسيًا. وقد تقول إن الوكيل يقوم بإجراء أساسي “مباشرة”: لن تختار، على سبيل المثال، ضغط الزناد من خلال تنفيذ إجراء آخر. وعلى النقيض من ذلك، يتم تنفيذ إجراء غير أساسي بتنفيذ إجراء آخر. على سبيل المثال، بافتراض أنك قتلت رئيسة البلدية بإطلاق النار عليها، فإن قتل رئيسة البلدية هو فعل غير أساسي.
    لا يمكننا أداء الأعمال الأساسية إلا في اللحظة الراهنة -الأزمان الأخرى تكون غير متاحة مباشرة. إنك تضغط الزناد الآن. لكنَّ من المهم، مع ذلك، تذكر أن إجراءً أساسياً يمكن أن يكون له عواقب في أزمان أخرى، وأنه عند تنفيذ عملٍ أساسي، فإننا قد نكون أيضاً قيد القيام بعمل غير أساسي. إن قتلكَ رئيسة البلدية هو عملية ممتدة (إجراء غير أساسي) يحدث بمرور الزمن. وباختياري عملي الآن، ينبغي (أو ربما ينبغي، على الأقل) النظر في عواقب الإجراءات المختلفة على الأزمان المستقبلية (التي لم توجد بعد)، عواقب أفعالي. “الآن” هو فقط حيث توجد الإجراءات الأساسية.
    لا تساعد أيٌّ من “الحاضرية” ولا “الأبدية” بالنسبة لمؤيدي أطروحة الصلة. حتى لو كان الحاضر متفرّداً -الوقت الوحيد الذي يوجد- فإنه لا يتبع ذلك أنه يجب علينا الاهتمام به بشكل كامل -وبه فقط. وإضافة إلى ذلك، لا يمكن لنظرية الصلة أن تقبل “الأبدية”، لأنها تنفي مباشرة تفرد الحاضر.
    بل إنه ليس واضحاً أننا نحصل مطلقاً على تجربة صرفة لـ”الآن”. في رواية جيمس جويس، “يوليسيس: (1922)، يأسف ستيفن ديدالوس على أن التاريخ هو “كابوس أحاول أن أستيقظ منه”. ومن المشكوك فيه أن يستطيع هو -أو أي شخص- أن يفعل. وهذه النقطة عنصر أساسي في التحليل النفسي، وكذلك في مجموعة واسعة من المعالجات النفسية، لا سيما تلك التي تسترشد بالديناميكا النفسية، أي التي تسترشد بالحقائق حول العلاقات الأسرية للمرء -خاصة، وإنما ليس حصريًا، في سنوات المرء المبكرة. وإضافة إلى ذلك، فإن التقليد الفينومينولوجي (الذي تم تطويره في أعمال إدموند هوسرل ومارتن هايدغر وموريس ميرلو بونتي) يرى أن “الآن” تبنيه بالضرورة آفاق الماضي والمستقبل. ولذلك، فإن كل طريقة للإقامة في “الآن” (بما في ذلك “التواجد هنا الآن”) هي أيضًا طريقة لاستيعاب الماضي وتوجيه أنفسنا نحو المستقبل.
    “كن هنا الآن”. لقد جادلتُ بأن هذه التوصية لا يمكن دعمها بتفرد “الآن”. وهناك اثنتان من أبرز الطرق البديلة لتبريرها، هما الصحة النفسية والاستنارة. على نطاق واسع جدًا وبشكل تقريبي، يمكن للمرء أن يميز التأمل من أجل الصفاء (Samatha) والتأمل من أجل الاستبصار (Vipassana). وهذه مقاربات متوافقة ويمكن أن يكون للمرء، بطبيعة الحال، أكثر من سبب للتأمل.
    يمكن اكتساب “الاستنارة” من خلال تأمل الاستبصار. وحسب النظرات البوذية، يتكون هذا من نسخة ما من نظرة “اللا-ذات”. أما إذا كان اكتساب هذا النوع من الاستنارة هو الذي سيقودنا، فسؤال مفتوح. سوف يجده البعض مريحًا (معزياً)، خاصةً عندما يتأمل المرء موته هو، الذي يفقد مكانته كتغيير أساسي ومرهق في الحالة الميتافيزيقية. أنا لست ما اعتقدتُ ما أكونه -نفساً دائمة وجوهرية- وبالتالي فإن خروجي من الوجود ليس شيئاً يدعو للقلق. وسيجد آخرون أن هذا الاستبصار مربك وجوديًا: فتبني نظرة اللا-ذاتي ينطوي على اضطراب كبير محتمل في إدراكنا الميتافيزيقي. حتى أن بعض رهبان الـ”زن” يخشون موتهم الخاص.(4)
    على الرغم من أن تأمُّل الاستبصار لن يكون بالضرورة أداة علاجية مرحباً بها، فإن تحقيق الصفاء والراحة النفسية ممكن من خلال ممارسات تأملية معينة. ويشير الكثيرون، خاصة في أدبيات المساعدة الذاتية المعاصرة، بما في ذلك مؤيدو التأمل الواعي، إلى الفوائد العلاجية الكبيرة لأنواع معينة من التأمل. وهناك أنواع محددة من التأملات للتخفيف من الخوف والقلق في التقليد البوذي.
    مع أن الاستبصار والصفاء مبرِّران مقنعان للتأمل، فإن هناك مبرراً آخر يمكن أن يمر من دون أن يلاحَظ. ثمة سبب وجيه للتأمل هو تنمية نوع معين من الانتباه اليقِظ وإدامته. والفكرة هنا هي تهدئة العقل وتحريره من التماهي غير المبرر مع أفكار ومشاعر معينة. وهكذا، فإن العقل لا يكون مبعثرًا أو مأسورًا، وإنما حر في استيعاب الواقع المتكشِّف أمامه بالكامل. (هذه الأفكار موجودة في عمل الفيلسوف والمعلم الروحي جورج غوردغييف وأتباعه، بمن فيهم جان فايسي). وليس هذا استقبالًا سلبيًا لبيئة المرء، كما أنه لا يتعلق فقط بتخوُّف معرفي ما. إن انتباهاً نشطاً ومنفتحاً على ما يتكثَّف أمام المرء هو شيء نادر، وإنما تمكن تنميته. وحسب هذا الرأي، عندما يقول المرء “كُن هنا الآن”، فإن التركيز يكون على “كُن”. “‘كن’ هنا الآن”، وليس “كُن هنا ‘الآن’”. ويشجع العرف على تطوير نوع من الكينونة، والتي تنطوي على الانفتاح من دون وسيط على العالم المتكشِّف. إنها قوة “كُن”.
    على عكس التصنيف المذكور أعلاه (مع خيارين)، يمكننا بعد ذلك التمييز بين (على الأقل) ثلاثة أنواع من التأمل: الصفاء، الاستبصار، وما سأسميه التأمل “الإدراكي” awareness. ويمكن أن يؤدي تأمل الاستبصار إلى الاستنارة، بمعنى إدراك (على الصعيدين المعرفي والعاطفي) بعض الحقائق الأساسية عنا وعن علاقتنا بالعالم الأوسع. ويسعى تأمل الصفاء إلى تحقيق توازن عاطفي سلمي. ولا يسعى التأمل الإدراكي، في المقام الأول، إلى اكتساب الحقائق، أو حتى الهدوء، ولكنه يسعى إلى انتباه نشط وصافي الذهن إلى (وإنما ليس انغماساً في) ما يتكشف في الـ”هنا والآن”. وبالتالي، يمكن تفسير “كُن هنا الآن” على أنها التوصية بنوعية معينة من الانتباه -طريقة معينة للوجود.
    يتسم وعينا اليومي بنوعية رديئة من الانتباه. إما أن انتباهَنا (1) يؤسَر، ويُمتص تماماً، ويعلُق فيما يحدث، حيث يكون إحساسنا بذاتنا غائبًا، ونتماهى مع أفكارنا ومشاعرنا، ولا تكون بيننا وبينها أي مسافة؛ أو (2) أن انتباهنا يكون مشتتاً، مندفعاً بشكل ترابطي من سطح إلى آخر. ويتطلب “الوجود” هنا الآن (3) اهتمامًا مفتوحًا ونشطًا. وثمة فكرة أساسية، موجودة في الحقيقة في عمل تول، هي أننا لسنا متطابقين مع أفكارنا، لكننا نستطيع بدلاً من ذلك فصل أنفسنا عن عقلنا وتأملَّه. نحن المراقب، وليس العقل. ويمكن أن يساعدنا هذا الإدراك على تحرير أنفسنا من الاستغراق الكامل في المشهد العابر وفقدان الذات -وإنما أيضًا على البقاء منتبهين ومركِّزين.
    إنني لم أعمد إلى تحدي أو الطعن في الرغبة في تحقيق حضور أكبر في اللحظة الراهنة. إنني أجد هذا مقنعاً ومهماً. لكنني، مع ذلك، أشكك في فرضية الصلة، الحجة القائلة إنه يمكننا الدفاع عن استغراق في الحاضر من خلال الإشارة إلى أن الراهن هو الزمن الوحيد الذي لدينا.
    يؤكد المعلمون الروحيون المؤثرون تفرد الحاضر، وتبدو هذه، في البداية، حقيقة عميقة وهائة. لكنها، مع ذلك، سطحية وليست موضوعية بما يكفي لدعم الاستدلال على الانغماس في “الآن”. من منظور فلسفة اللغة، يمكننا أن نرى عجز “الآن”. ومن منطور فلسفة الزمن، نرى أن “الحاضرية”، في حد ذاتها، ليس لها أي تأثير على النفس، وأن “الأبدية” ليست بداية أيضاً. ويمكن تفسير أطروحة الصلة على أنها ربط التركيز على الراهن بنوع من الضرورة: الحاضر هو كل ما هو موجود. وليس من المستغرب إذن أن يسمي تولي هذا نوعًا من “الاستسلام” -استسلام لـ”الآن”. ويمكن تفسير فحوى حجتي على أنها رفض لنموذج الاستسلام والاستغراق في نموذج “اختيار”. إن لنا خيارا بشأن ما نركز عليه، خيارا لا يمليه الحاضر المتفرّد، إن وجد. نحن أحرار في اختيار كيف نتمنى أن “نكون موجودين”. يجب أن نكون هنا الآن في الحقيقة، ولكن ليس لأن “الآن” هو كل ما لدينا.

*John Martin Fischer: أستاذ الفلسفة المتميز في جامعة كاليفورنيا، ريفرسايد، وأستاذ جامعي في جامعة كاليفورنيا. كان قائد “مشروع الخلود”، برعاية مؤسسة جون تمبلتون. وهو مؤلف كتاب “تجارب شبه الموت: فهم رؤى الحياة الآخرة” (2016)، بالتشارك مع بنيامين ميتشل-يلين. ومؤلف كتاب “الموت، الخلود والمعنى في الحياة” (2020). نشر على نطاق واسع عن الإرادة الحرة، والمسؤولية الأخلاقية، والأخلاق، والميتافيزيقا، وأخلاق الموت والخلود.
*نُشر هذا المقال تحت عنوان: The Problem of Now

هوامش المترجم:
(1) إيكهارت تول Eckhart Tolle هو معلم روحي ومؤلف كتب من الأكثر مبيعاً. وهو ألماني المولد مقيم في كندا، اشتهر بكتابه الصادر في العام 1997، “قوة الآن وأرض جديدة: الاستيقاظ على غاية حياتك” The Power of Now and A New Earth: Awakening to Your Life’s Purpose. في العام 2008، وصفت صحيفة “نيويورك تايمز” تول بأنه “المؤلف الروحي الأكثر شعبية في الولايات المتحدة”.
(2) “الشفاه المشتعلة”، The Flaming Lips هي فرقة أميركية لموسيقى الروك تشكلت في العام 1983 في أوكلاهوما سيتي، ولاية أوكلاهوما. إحدى أغنياتها الشهيرة هي “كل ما لدينا هو الآن” (2002).
(3) “فليتوود ماك” Fleetwood Mac هي فرقة روك بريطانية-أميركية تشكلت في لندن في العام 1967. من أعمالها الشهيرة أغنية “لا تتوقف عن التفكير في الغد”.
(4) زِن zĕn، مدرسة للبوذية الماهاياناية، تؤكد أن الاستنارة يمكن أن تتحقق من خلال التأمل، والتأمل الذاتي والحدس، وليس من خلال الإيمان والتفاني. وتمارَس هذه المدرسة بشكل رئيسي في الصين واليابان وكوريا وفيتنام.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock