أفكار ومواقف

مشهد فكري مُختلف..!

لا يسع المتابع للمشهد الفكري في الغرب سوى أن يعجب بعروضه. وليس مردّ هذا الإعجاب بالضرورة أن يكون المرء “مُستشرقاً” (بفتح الراء)؛ مهوَّساً بالآخر الفوقي والمتفوق على طريقة بعض أبناء المستعمرات، وإنّما الإعجاب بالطرائق والمنهجيات التي يتمكنون فيها من استشراقنا، في مقابل افتقارنا لشيء مُناظِر يتيح لنا الدفاع على الأقل، إذا لم يكن امتلاك قول في مسارات الأشياء ومآلاتها في هذا العالم.
من المدهش حقاً ما تنتجه المراكز الفكرية والأكاديمية الغربية من أطروحات وقراءات واقتراحات تنعكس مباشرة في عمل السياسات والاستراتيجيات. ولعل من أهم مقومات هيمنة الولايات المتحدة عالمياً، مثلاً، كثرة المتاح من هذه المداخلات والتحليلات. وأستشهد دائماً بمثالين على ما يصنعه مقال في مجلة في تحديد الوجهات العالمية.
الأول، مقال فرانسيس فوكوياما “نهاية التاريخ” الذي نشرته مجلة “ذا ناشيونال إنترست” صيف العام 1989، ثم تطور إلى كتاب “نهاية التاريخ والإنسان الأخير”. واقترح فوكوياما فيه أن الديمقراطية الليبرالية هي المرحلة النهائية من التطور الأيدولوجي للإنسان، وأنها المرشحة للانتصار على بقية الأفكار والمبادئ وتصفيتها.
والثاني، هو مقال صامويل هنتنغتون “صدام الحضارات” الذي نشرته في العام 1993 مجلة الشؤون الخارجية “فورين أفيرز” المتخصصة في السياسة الخارجية الأميركية والشؤون العالمية. وقد تطور المقال فيما بعد ليصبح كتاب “صدام الحضارات وإعادة تشكيل النظام العالمي”. وفي أطروحته، يعارض هنتغتون تلميذه فوكوياما، ويقول إن نظرية صلاحية “الديمقراطية الليبرالية” قاصرة، وإن صراعات ما بعد الحرب الباردة لن تكون بين الدول القومية والفروقات السياسية الاقتصادية فيما بينها، وإنما الاختلافات الثقافية هي التي ستكون المحرك للصراعات البشرية. بذلك، سيدور الصراع بين حضارات سبع، منها “الحضارة الغربية” و”الحضارة الإسلامية”.
كان اعتقاد الغرب –وعلى رأسه الولايات المتحدة- بالصلاح الذاتي وامتلاك الأيديولوجيا الأخيرة والفضلى ذريعة لـ”التبشر” بهذه الأيديولوجية ونشرها، حتى لو باستعمال القوة. وكانت فكرة حتمية الصراع بين الحضارات على أساس الاختلافات الثقافية عنواناً لما أصبح الصراع المفتوح الراهن بين “الحضارة الغربية” و”الحضارة الإسلامية”، والذي طغى على أي صراعات أخرى محتملة بين الحضارات. وكنا في العقود الأخيرة متأثرين مباشرين بالسياسات التي استلهمت هاتين الأطروحتين.
بغض النظر عن طبيعة السياسات التي تدفع إليها مثل هذه الأطروحات، والتي لا يمكن أن نكون معجبين بها، فإن من الجدير تأمل العملية برمتها: كيف يبني المفكر حجته؛ وكيف تُنشئ أطروحته حواراً يستدرج مفكرين آخرين يعارضونها أو يؤيدونها. وفي الحوار تُغلَق الفجوات ويكتمل البناء وتُغطى الزوايا.
وثمة مسار آخر لإدارة حوار فكري تنشئه المراكز الفكرية وتنشره، هو أن يقترح محرر وازن ومطلع عنواناً يُستكتب حوله نخبة من المفكرين والباحثين من ذوي الاهتمام. ومن هذا النوع الثاني، نشرت مجلة “فورين أفيرز” –على سبيل المثال لا الحصر- ملفاً عن وجهات النظام العالمي الحالي واحتمالات العالم الذي نتجه إلى العيش فيه. ونشرت ملفاً آخر عن القومية وبواعثها واتجاهاتها وصلاحيتها، في وقت يشهد صعود النزعات القومية. ويحلو للمتابع حقاً سماع الأصوات والمزاجات المختلفة التي تناقش مثل هذه العناوين، والتي لكل منها منطقها وطريقتها في الإقناع.
ومن الأمثلة على النوع الأول، بالإضافة إلى مقالي فوكوياما وهنتنغتون المذكورين، ما نشرته المجلة نفسها مؤخراً من ردود على مقال كان قد نشره فوكوياما فيها قبل بضعة أشهر فوكوياما، عن “سياسات الهوية” هذه المرة. ثم يعود فوكوياما ليرد على الذين ناقشوا أطروحته. ويلاحَظ في هذا التقليد، أولاً، عناية الكاتب بجودة أطروحته، ثم عناية الآخرين بمتابعة ما يُكتَب وتقديم مداخلات بنفس الجودة والجدية، وكذلك عدم استخفاف صاحب الأطروحة الأساسية بردود الفعل على أطروحته ومناقشتها مرة أخرى. في هذا الأخذ والرد، لا يعثر المتابع على إهانات أو شتائم أو ندرة في احترام الآخر ورأيه، وإنما يقرأ حواراً مهذباً ومسؤولاً يسترشد بالمنطق والرغبة في التعلُّم.
ليس عندنا مثل ذلك تقريباً. ما مِن جهات تولِّد محتوى من هذا النوع وتستدرج حوارات بين مفكرين يقترحون للعرب وساستهم. وإذا كان ثمة شيء من ذلك سابقاً –وأتصور أنه كان- فقد انزوى بعد إفهام المفكر تكراراً بأنه لا داعي له. وإذا كان ثمة سجالات، فكأنما بين أصحاب ثأر معتقدين بعصمة الذات وضلال الآخر. والنتيجة، حوار طرشان يضيف إلى فوضى أصوات لا يُفهم منها شيء!

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock