أفكار ومواقف

مشوار الدولة يبدأ من المعرفة

مالك العثامنة

مرة أخرى.. وحتى الألف مرة، هو التعليم.

التعليم الذي يصنع التربية الواعية، لا التعليم المحشو بالدجل الوطني والغيبيات الإنشائية وعلوم النقل المتواترة.

العالم يتغير بتسارع شديد جدا، تسارع مدهش لمن يستطيع اللحاق به، وتسارع مرعب لمن يعجز عن إدراك التغير، والعلم كما المعرفة هما عنوان كل تغير قادم.

بعد أزمة كورونا، وهي جائحة عالمية لم تبق ولم تذر، دخل العالم ضفاف حربه العالمية الثالثة “المختلفة نوعيا عن كل الحروب السابقة” من خلال بوابة الأزمة الأوكرانية، مما وضعنا جميعا امام أزمات عنقودية متلاحقة تتضمن اختناقات في سلاسل التوريد “لم نكن نردد هذا المصطلح قبل ذلك” والأمن الغذائي الذي لم يعد ملفا تموينيا تديره وزارة الزراعة بالمعنى الضيق، والأمن السيبراني الذي يمكن له أن يصنع الشلل الكامل في دولة، وكثير من مفاهيم تسللت إلى حياتنا بحكم الضرورة مع ثورة البشرية في تطورها التكنولوجي والمعلوماتي.

هناك مصطلح اسمه “التعاون الإقليمي”، وهو مصطلح اعتدنا سماعه تكرارا ومرارا عبر نشرة الأخبار الرسمية طوال حياتنا وهذا التكرار جعله باهتا بلا معنى حقيقي مثله مثل “العلاقات الثنائية بين البلدين الشقيقين”.

حسنا، اليوم الحالة مختلفة، والتعاون الإقليمي ضرورة حيوية خرجت من قوالب الإنشاء لتتم صياغتها بحكم الضرورة التي يدركها العقلاء فقط إلى مشاريع تعاونية إقليمية تضمن العيش والحياة في مواجهة كوارث وأزمات ليس أقلها المجاعات الغذائية والتصحر “الحقيقي” والجفاف وانقطاع موارد الطاقة.

العلاقات الثنائية، لا يمكن لها أن تستمر بين بلدين دون جوارهما الثالث والرابع والخامس ليشمل منظومة إقليمية لا يمكن لأي من بلدانها الاستمرار دون التعاون، اما “الشقيقين” فتلك زائدة لغوية بلاغية لغايات التلطيف ودغدغة المشاعر، الدول “بمعناها الكياني السليم” لا تعيش على أشجار العائلة القومية والأنساب.

التعاون الإقليمي القائم على المعرفة الواعية لموارد كل بلد وإمكانياته لا يمكن ان يكون بدون علم حقيقي يسنده، والأردن يقع في جغرافيا سياسية قد تكون نعمته “بروافع المعرفة” أو نقمته “باستمرار الجهل”، عليه ان يحسم أمره لا بالإصلاح السياسي او الاقتصادي او الإداري وحسب، بل بالبدء بالإصلاح التعليمي الذي سيخلق كل الإصلاحات المطلوبة ويعيد تأسيس الدولة ضمن معاييرها العالمية الجديدة.

لا يمكن أن تتحدث عن “مواطنة” ضمن منظومة سياسية تحتويها منظومة أخلاقية مجتمعية بدون ان تؤسس لمواطن يعرف حقوقه وواجباته، وهذا لن يحدث بفعل التشريعات فقط، بل تحتاج منظومة تعليمية قائمة على ركنين أساسيين: موارد بشرية مؤهلة حقيقية ضمن معايير التعليم المعاصر في العالم، ومناهج تقدم المعرفة وتؤسس الإنسان المتمكن.

البداية تبدأ من غرف الصفوف الابتدائية لا من قاعات فندقية تعلن ولادة أحزاب تكرر الغفلة.

كيف نبدأ؟

هناك حديث متكرر “وممل دوما” عن تعديل وزاري او تشكيل وزاري قادم “كل مرة”، وبصراحة فإن أي تعديل او تشكيل كي يكون فعلا يحمل رؤية تغيير عليه أن يعيد للدولة رعايتها لقطاع التعليم.

وعليه فإننا بحاجة إلى فريق “تربوي” يقود قطاع التربية والتعليم، فريق يقوده وزير مؤهل – مثل فريقه المؤهل- وعابر للحكومات قادر على وضع خطة ثورية شاملة تقرأ المستقبل ولا تنشغل بقلق أي تعديل أو تغيير وزاري.

فريق مؤهل بالمعرفة والخبرة الحقيقية والإنجازات الواقعية لا إنشائيات الوضع الراهن.

تلك بوابتنا لنستعيد الدولة كما نحلم، ونعيد “تموضعنا” في هذا الإقليم الذي سيتعاون كل من فيه في عالم جديد مختلف كليا.

المقال السابق للكاتب 

غرب النهر والمصلحة الأردنية

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock