أفكار ومواقف

مشّاؤون.. ولكن!

ما يزال المقال الذي كتبه الصحافي اللبناني حازم أمين، عن انعدام المشي في عمّان، تحت عنوان “عن مشّاء عمّان الوحيد، المتعثر بأرصفتها” (الغد 24/1/2010)، يثير حيرتي وقلقي، ليس لأنه نقل صورة انطباعية غير دقيقة عن أحوال الناس في عمان، فذلك متوقع من زائريها العابرين، ولا لأن كثيرين طربوا له، وصفقوا له سراً وعلانية، فذلك يندرج في إطار حرية الرأي. الذي يثير الحيرة أن المقال المشار إليه، والردود المنوعة التي نُشرت على صفحة المقال الإلكترونية، لم تأخذ، كلها، نقطتين مهمتين في الاعتبار:


الأولى: أن طبيعة عمّان الجبلية لا تساعد على المشي، فالطبيعة المناسبة للمشي هي تلك المنبسطة، والأمثلة المضروبة في تعليقات القرّاء كانت كلها عن مدن أرضها منبسطة، مثل القاهرة، ولا ريب أن في مخيلة كاتب المقال، مقارنة خفية عن المشي في مدينته: بيروت، التي هي أيضاً ذات طبيعة منبسطة.


الثانية: أن مشاهدات الكاتب العابرة، وملاحظات القراء المؤيدة، إنما تتحدث عن عمّان الغربية، التي يندر فيها تنقل الناس بغير السيارة. لكن ماذا عن عمّان الشرقية؟ هل صحيح أن الكاتب هو أيضاً مشاؤها الوحيد؟ ثم ماذا عن وسط البلد مثلاً؟ هل يتنقل أحدنا في وسط البلد إلا مشياً على الأقدام؟ علينا أن نلاحظ هنا الطبيعة المنبسطة في وسط البلد، التي تؤكد أن انعدام المشي في عمّان الغربية تعود أساساً لطبيعتها الجبلية.


ثمة من سيقول إن المقصود بالمشي هو ذاك الذي يُفعل لذاته، أي: المشي من أجل المشي، ما يعني أن المقارنة غير جائزة بين المناطق “الغنية” التي يكون المشي فيها رياضة، والمناطق “الفقيرة” التي يكون المشي فيها حاجة وضرورة. حسنٌ. ماذا عن مراكز الرياضة التي تلقى رواجاً هذه الأيام لأن كثيرين يلتحقون بها لممارسة المشي على الأجهزة الكهربائية؟ ليس ثمة عداء للمشي في عمّان من حيث المبدأ إذن، لكنها طبوغرافيا المدينة غير الملائمة.


غير أن أمر الطبيعة الجبلية، لا يعني نفينا أن ثقافة المشي ليست رائجة بين الناس في عمّان. تلك حقيقة أيضاً، لكنها على الأغلب إنما نتجت استجابة لمقتضيات الطبوغرافيا، حتى بات الواقفون على الأرصفة بانتظار وسائل النقل، ينظرون باستغراب لهؤلاء القلة الذين يمارسون المشي من أجل المشي، فيما اعتدنا على أن تنفث الباصات والسيارات الكبيرة التي تعمل محركاتها بالديزل، روائح وغازات من عوادمها، من دون أن يحتج أحد على إعاقتها راحة المشاة المتنزهين!.


ثمة بين المعلقين على المقال المذكور من احتج على “جلد الذات”. لكن من يقرأ بعض التعليقات لا يجد فيها جلداً للذات وحسب، بل شتماً لها، وكأن أصحابها ينخرطون في سباق مع أنفسهم لاستعمال أشد الأوصاف والتراكيب اللغوية لمدح الآخر وانتقاد “أنفسهم”. هذا ليس سلوكاً طارئاً، فـ”استطابة جلد الذات” أمر رائج في ثقافتنا، روجنا له حتى صدقناه، فكيف لنا بعد هذا أن نتوقع من الآخرين رؤيتنا بصورة زاهية؟.


هناك ما يثير القلق أيضاً سوى استطابة “جلد الذات”، وهو تلك المقارنات غير الملائمة بين الناس في عمّان والناس في أوروبا! ثمة “ذكاء تاريخي” نحتاجه حين عقد المقارنات، كي تكون موضوعية إلى حد معقول، وليس من “الذكاء التاريخي” مقارنة مجتمعات أنجزت نهضتها وصنعت التاريخ، بمجتمعات “نامية” ما تزال تسأل نفسها “ما العمل؟”. ليس من المعقول أبداً أن ننتظر النتائج من دون أن تتوافر المقدمات، وليس من المقبول أبداً أن نشتم أنفسنا، قبل أن نقدم ما يساهم في توفير تلك المقدمات.


[email protected]

تعليق واحد

  1. المكوث افضل
    استاذ سامر ركز المثقفون الاردنييون في ذكر المشي في عمان بمنطقة وسط البلد ومن المدرج الروماني الى راس العين وشارع السلط وتجد في كتابات مؤنس الرزاز وسميحة خريس وغيرهم ذكر النزول من اللويبدة وجبل عمان وهذايدل على انه فعلا المشي في المرتفعات الجبللية شكل عائقا كبيرا في التنزه في عمان لذا نجد ان اكثر حالات التنزه الجلوس في اماكن ثابتة كجبل القلعة او شارع الوكالات والمقاهي حاليا وهذا ما تركز عليه امانةعمان وتوليه عناية خاصة ، والطبيعة دوما تفرض التكيف معها وهذا ايضا اعطى عمان رونقا خاصة فالجلوس على جبالها المتقابلة وخاصة في الليل ورؤية اضوية عمان الغربية والشرقية له مشهد في غاية الروعة يفوق حتى المشي

  2. المشاؤون
    مقال جميل.لاحظت انحيازك الواضح لعمان.ولِمَ لا ننحاز لعمان ونحن أعرف الناس بشوارعها وهضابها ومساجدها وكنائسها ووسط بلدها المفخخ بالحركة البشرية صباح مساء.
    كل مدينة في الدنيا لها أسرارها ورائحتها الخاصة،غير أنها لا تسلم أسرارها للزائرين العابرين المستعجلين.
    الوحيد الذي يعرف عمان هو ابنها.لو لم يمش فيها بقدميه،أحسب أنها هي التي ستمشي في داخله وتذرع روحه كل لحظة.عمان المدينة النظيفة.أذكر أنني أحيانا بعد مشي طويل أضطر للجلوس على الرصيف فلا تتسخ ملابسي.ميزة النظافة وحدها تستحق منا الوقوف عندها.
    لاحظت أن رأي الكاتب اللبناني كان رأيا عابرا.غير أن كلامه يسجل أيضا لعمان..إن مدينة تسمح لضيفها أن يهجوها على صفحات أكبر صحفها لهي مدينة مختلفة وفريدة وتستحق الاحترام.
    قرأت كلاما جميلا عن عمان من أحد مسؤوليها الحكوميين.غير أني أتوق دائما لقراءة كلام شعراء عمان وكتابها وصعاليكها وفقرائها.أولئك القوم هم حراس عمان الحقيقيين وهم الناطقون المشاؤون بقلبها.
    احترامي للكاتب وتقديري.

  3. نقد الذات ليس جلداً لها ، بل مقدمة لحل مشكلة و خلل و عيب ما…
    سيدي،،،
    1- ما هي "المقدمات" التي نحتاجها لحل المشاكل التي ذكرها مثلاً الدكتور "خالد السلايمة" في تعليقه على المقال السابق؟ جميع الحلول لتلك المشاكل تحتاج فقط لإرادة و إدارة صحيحة.
    2- بالنسبة لمحركات الديزل فقد ذكرته السيدة "منى" في تعليقها على المقال السابق.
    3- صحيح أن طبيعة عمان جبلية ، لكن المشي لا يكون في كل عمان مرة واحدة ، فكل منطقة لوحدها لا تعتبر جبلية…مثلاً إذا أراد أحدنا ان يمشي في الشميساني أو في مرج الحمام أو في شارع الجاردنز فمن المؤكد أنه لن يواجه مشكلة المشي في مناطق جبلية.
    4- نقد الذات ليس جلداً لها ، بل مقدمة لحل مشكلة و خلل و عيب ما.

    و شكراً لك على مقالاتك الرائعة.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock