أفكار ومواقف

مصارعة حرة


   من السذاجة الاعتقاد أن هناك توجها أمريكيا رسميا في تشويه سمعة العرب والمسلمين، وأن الإدارة أو أيا من أجهزتها يسعى بتعليمات واضحة ومحددة إلى تلطيخ صورة العروبة والإسلام!


لكن…


   في تفاصيل الحياة اليومية الأميركية ومن خلال أحداث عادية يومية، يمكن قراءة حالة تغذية منظمة في الكره والكراهية من خلال الإعلام الأمريكي وصناعة الترفيه فيه، خصوصا أن الشعب الأمريكي أكبر مستهلك في العالم لصناعات الترفيه، والأمريكان هم سادة عالم الترفيه.


ثالث أيام السنة الجديدة، وفي سياق الاحتفالات فيها، اصطحبني الصديق نبيل يمك، إلى أكبر حلبات المصارعة الحرة في نيويورك، وهي صناعة ترفيهية ضخمة ذات عوائد مالية خرافية لأربابها، وتتقاطع مع مصالح أرباب الإعلام الترفيهي الأمريكي، وتحتكر بثها ولساعات طويلة أكبر شبكات التلفزة الأمريكية.
   في المحصلة، ولأن المصارعة الحرة حدث ساخن في الحياة الأمريكية رافقت صديقي نبيل إليها، وكان تعداد الجمهور يقارب الخمسة آلاف حول الحلبة، ناهيك عن البث المباشر ليلتها عبر شبكة سبايك الوطنية التلفزيونية والتي يتابعها ملايين الأمريكان.


   كان الإعلان الأبرز ليلتها عن المباراة الساخنة بين (العرب والأمريكان)! من خلال مصارع عربي أمريكي من ولاية متشيغان اسمه محمد حسن- هكذا ادعوا اسمه- ومصارع أمريكي آخر لا أذكر اسمه.


   المثير في القصة أن الإعلان عن تلك المنازلة شمل أيضا إعلانا عن مناظرة حية بين محمد حسن ومدير أعماله الملتحي أمام أحد مديري المصارعة الحرة وصناعة الترفيه فيها.


من تلك المناظرة التي جرت على الحلبة، أدركت خبث الإعلام الأمريكي ومدى جهنمية شياطينه في خلق الانطباعات الخاطئة وبطريقة مدروسة ومحترفة، فلقد وقف المدعو محمد حسن خلف منبر خشبي وسط الحلبة وهو يلبس كوفية عربية كالتي اعتدنا رؤيتها على المرحوم عرفات، وهو يرغي ويزبد غضبا، وعيونه تقدح بالشرر، بينما على المنبر المقابل له وقف الأمريكي بقبعة رعاة البقر وهو يبتسم للجمهور وملامح الطيبة تنطق في وجهه، ثم بدأ السيد حسن المزعوم بالحديث شاتما الأمريكان متهما إياهم أنهم أكثر شعب عنصري وأنه يكره أمريكا ويخجل من بني جلدته العرب لأنهم جبناء لا يفصحون عن كراهيتهم للأمريكان، كل هذا أمام جمهور مباشر حول الحلبة بالآلاف وجمهور أمريكي بالملايين أمام شاشات التلفزيون!! وحين تحدث الأمريكي – وهو حديث مدروس ومتقن الصنع- تحدث عن أمريكا الحرة التي قبلت بحسن والعرب كمواطنين، ولكنه لا يقبل أن يشتم حسن القوات الأمريكية في العراق، وهذا وتر حساس استطاع الأمريكي أن يشد عليه ببراعة مما أثار حفيظة الجمهور الذي أخذ يهتف ضد محمد حسن ، فقام هذا الأخير بدوره بالتكبير والهجوم على الأميركي وطرحه أرضا أمام صيحات الجمهور المهتاج حد السعار.


باختصار..


   المزعوم محمد حسن هذا بقصد أو بدون قصد منه، فقد تمت زراعته في حملة إعلامية موجهة للنيل من العرب والمسلمين وتصويرهم بالبرابرة والحاقدين، وتمثيلية المناظرة التي ابتدعها أباطرة الإعلام الأمريكي تلك الليلة كانت فرصة لدس السم في الدسم، وترويج فكرة الكراهية الوحشية عن العرب والمسلمين، وتمرير الرسالة المنشودة التي في النهاية تأخذ طريقها في ذهنية الأمريكي الساذج وتنعكس كل أربع سنوات في صناديق الاقتراع، ويبقى معتقدا أنها أصل الكراهية وأنه منبع الحرية والديمقراطية، وأن قواتهم في العراق رسل حرية وسلام.


   هكذا يجد بوش ترويجا لسياساته، والإعلام دائما هو سيد الحلبة، وأباطرته هم ذوو مصالح متشابكة مع الرئيس ورجاله، وهذه ديمقراطية أميريكا التي لا زال إعلامنا العربي الغارق في عكاظياته غائبا عن أصول اللعبة فيها، والحكاية لا تحتاج أكثر من إعلام محترف يعرف ماذا يريد بالضبط!
[email protected]

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock