أفكار ومواقف

مصالح الطفل الفضلى

سائد كراجة 

هب يا رعاك الله أن مشروع قانون حقوق الطفل أُقر من قبل البرلمان وصار قانونا نافذا فورا، وأن هناك جهة مدسوسة تريد تفكيك الأسرة الأردنية! فهل تستطيع تلك الجهة أن تغير دين الطفل سندا لهذا القانون؟ الجواب كلا وألف كلا، لأن الأردن قد سبق وأن تحفظ على المادة (14) من اتفاقية حقوق الطفل التي تسمح بذلك.

هل تستطيع تلك الجهة المدسوسة أن تنزع هذا الطفل من حضن أسرته الدافئ لتتبناه أسرة بديلة؟ الجواب أيضا كلا، لأن الأردن رفض حق الطفل بالتبني باعتبار أن القانون الأردني لا يسمح بالتبني ويسمح بالكفالة المتفقة مع أحكام قانون الأحوال الشخصية!

إذاً هل تستطيع تلك الجهة أن تسحب طفلا من أسرته لأن والده وبالتعبير الشعبي» لفحه خماسي» تأديبا له؟ نؤكد لكل المرعوبين من فقدان حقهم في صفع أبنائهم أن قانون العقوبات الأردني أجاز لهم تأديب أبنائهم وصفعهم! وأن الممنوع فقط ارتكاب جرائم تحت ستار التأديب، كأن تُحدث للطفل عاهة مستديمة، ككسر الأسنان أو شطب العين مثلا.

ماذا عن حق الطفل في حياته الخاصة، هل من الممكن إقناع الطفل بالإلحاد أو الماسونية مثلا؟

إن الماسونية منظمة محظورة قانونا ولا يستطيع الطفل ولا والده أن ينضم لها قانونا، ومشروع القانون لم يغير من هذا الحظر.

ماذا عن إلحاد الطفل؟ ليس في مشروع القانون ما يساعد الطفل على الإلحاد أو يسمح به، ولا يرتب أي عقوبة على الوالد الذي يحول دون طفله والالحاد، وهذه طبعا قضية تربية لا يمنعها مشروع القانون.

طيب، هل تستطيع تلك الجهة المدسوسة أن تفرض على الوالدين ضم طفلهم لناد ليلي؟ الجواب أيضا كلا لأن نوادي الترفيه المشار إليها في المشروع هي نوادي رياضة أو رسم أو كشافة، وقد وضع المشروع على الدولة عبء تأسيس مثل تلك المراكز من حدائق ومتنزهات، وإنني أقترح لغايات الوضوح أن نعدل الاسم في المشروع ليصبح مراكز الترفيه! مراكز مقبولة أكثر!!

طيب هل تستطيع تلك الجهة المدسوسة أن تقنع الطفل بالحصول على المعلومات؟!

إذا كنّا نخاف من المعلومات إياها!! فهي متوفرة على الإنترنت منذ زمن ولا يوجد في مشروع القانون ما يشجع على الحصول عليها، كما أن المشروع أقر واعترف بحقوق الوالدين في الرعاية ولا يوجد في مشروع القانون ما يمنع الوالدين من كافة صنوف التأديب والتهذيب والمراقبة، إذ إن الرعاية التي نص عليها المشروع مفهومها شامل وأساسها التأديب والتهذيب، أما إذا ساعدنا الطفل بالحصول على المعلومات من الدولة والدوائر الرسمية حسب قانون حق الحصول على المعلومة فهذا خيرٌ عميم.

طيب، هل في القانون ما يغير من النص الدستوري الذي يعتبر الأسرة أساس المجتمع قوامها الدين والأخلاق؟! الجواب لا، لا يوجد في المشروع أي نص يستبدل الطفل بالأسرة حسب حكم الدستور!!

بعد تدقيق شديد فيما أثير حول المشروع لم أجد ما يؤخذ عليه قانونا، وما الحملات المثارة سوى مثال عملي على استغلال الدين في السياسة، خاصة أن الدين الذي نعرفه يحترم حق الطفل في الحياة ولا يعارض حماية الطفل من الإساءة إليه من الغرباء أو من الأقرباء، ويرحب بالتزام الدولة بتوفير الرعاية الصحية والنفسية والعقلية لفئة الأطفال الذين هم – حسب تعريف المشروع – أكثر من 40 % من مواطنيها.

مشروع القانون محافظ وليس فيه خروج على الدستور ولا يعارض أن دين الدولة الإسلام، نصوصه مستمدة من اتفاقية حقوق الطفل الدولية التي أصبحت تشريعا محليا، وفي صدوره مراعاة للمصلحة الفضلى للطفل التي يجب ألا يختلف عليها أحد. الحقيقة أن مشروع القانون أقرب في نصوصه لعهد حقوق الطفل في الإسلام الصادر عام 2005 منه لاتفاقية حقوق الطفل الصادرة عن الأمم المتحدة التي صادق عليها الأردن عام 2006.

ولكن السؤال لماذا الآن ؟!

لكل شخص ما زال يرى في هذه الدولة عضوا في المجتمع الدولي يحكمها قانون ودستور وعليها التزامات دولية بموجب عضويتها في المجتمع الدولي؛ يعرف أن قانون الطفل استحقاق متأخر على الدولة، ففي العالم المعاصر تلتزم الدول بموجب اتفاقيات دولية بمبادئ إنسانية عامة كدليل على التحضر والعصرية وهو التزام واجب ليس بمعنى الخنوع إلى أي شيء يخالف الدستور! بل إنه التزام بمبادئ سامية تعارف عليها المجتمع الدولي، وملف هذا القانون منذ 2006 هو أحد الأمثلة التي تقاعست فيها الحكومات عن القيام بواجبها وسمحت للحملات الشعبوية باستغلال الدين لمآرب سياسية، وهو الأمر الذي يجب التصدي له قانونا حماية للدين وتحصينا للسياسة.

إن تصدي الحكومة الحالية لهذه المسألة أمر محمود ليس فقط لتنفيذ هذا الاستحقاق القانوني بل لوقف سلوك تواري الحكومات عن حماية وتمثيل الدستور ونصوصه وتنفيذ استحقاقات الأردن الدولية كدولة معاصرة ! عفيه عليك جنابك!

المقال السابق للكاتب 

لا تعطوا الطفل حقوقه!

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock