تحليل إقتصادي

مصر تتغلب على صدمة “كوفيد 19” وتواصل النمو

واشنطن- كانت مصر من بلدان الاقتصادات الصاعدة القليلة التي حققت معدل نمو موجبا في 2020. وبفضل استجابة الحكومة السريعة والحذرة على مستوى السياسات، مقترنة بالدعم من صندوق النقد الدولي، أبدى الاقتصاد المصري صلابة في مواجهة الجائحة.
بلدان في دائرة الضوء في حوار مع فريق الصندوق المعني بمصر حول استجابة الحكومة في مواجهة الجائحة، ودور الصندوق في دعم مصر، والتحديات والأولويات في الفترة المقبلة.
كيف أثرت جائحة “كوفيد 19” في مصر؟
سوكانان تامبونليرتشاي: على غرار الوضع في معظم الأسواق الصاعدة، كانت جائحة “كوفيد 19” تمثل صدمة هائلة للاقتصاد المصري. وسرعان ما انعكست تداعياتها من خلال التوقف المفاجئ للسياحة التي كانت، في بداية الأزمة، تسهم بنحو 12 % من إجمالي الناتج المحلي، وتوفر 10 % من فرص العمل، و4 % من إجمالي الناتج المحلي من الدخل بعملات أجنبية. فالإجراءات الاحترازية لاحتواء الفيروس ومنعه من الانتشار، بما في ذلك الإغلاق العام الجزئي والقيود على طاقة استيعاب الأماكن العامة، أدت إلى تراجع مؤقت في الأنشطة المحلية، بينما تعرضت موازنة الحكومة للضغوط لأن تباطؤ النشاط الاقتصادي أسفر عن انخفاض الإيرادات الضريبية. وكذلك شهدت مصر خروج تدفقات رأسمالية كبيرة تزيد على 15 مليار دولار خلال الفترة من آذار (مارس)- نيسان (إبريل) 2020، مع انسحاب المستثمرين من الأسواق الصاعدة بحثا عن الاستثمار المأمون. ومع هذا، كانت مصر من بلدان الأسواق الصاعدة القليلة التي حققت معدل نمو موجبا في 2020، بفضل استجابة الحكومة في الوقت المناسب، والفترة القصيرة من الإغلاق العام وتنوع الاقتصاد المصري نسبيا.
ما التدابير التي وضعتها الحكومة لمعالجة الأزمة؟
ديكشا كيل: لقد دخلت مصر أزمة “كوفيد 19” مسلحة بهوامش كبيرة، بفضل الإصلاحات التي نفذتها منذ العام 2016 لتسوية الاختلالات الاقتصادية الكلية، من خلال اتفاقات مثل “تسهيل الصندوق الممدد” (EFF) للفترة 2016-2019. وشملت هذه الإصلاحات تعويم سعر الصرف للتخلص من المبالغة في تقييم العملة، وضبط أوضاع المالية العامة لتخفيض الدين العام، وإصلاح دعم الطاقة لمعاجلة أحد المخاطر المالية الرئيسية، وإتاحة حيز للإنفاق الاجتماعي، والإصلاحات الهيكلية لتقوية مناخ الأعمال وجذب الاستثمارات وزيادة فرص العمل، ولا سيما للشباب والنساء. ونتيجة لذلك، تمكنت الحكومة من الاستجابة بسرعة من خلال خطة دعم شاملة مع الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي. وعلى سبيل المثال، تضمن الدعم المالي مساعدة مؤسسات الأعمال والعاملين في القطاعات الأشد تضررا مثل السياحة والصناعة التحويلية، وتأجيل سداد الضرائب، وتوسيع برامج التحويلات النقدية إلى الأسر الفقيرة والعاملين غير النظاميين.
وإضافة إلى ذلك، قام البنك المركزي المصري بتخفيض أسعار الفائدة الأساسية بمقدار 400 نقطة أساس خلال العام 2020 -فانخفض سعر الفائدة على الودائع لليلة واحدة من 12,25 % إلى 8,25 %- للمساعدة على دعم النشاط الاقتصادي وتخفيف الضغوط في الأسواق المالية المحلية. وأطلق البنك كذلك مبادرات عدة لتخفيف الضغوط على المقترضين وضمان توافر السيولة للقطاعات الأشد تأثرا، منها زيادة إمكانات الحصول على ائتمان بأسعار فائدة تفضيلية وتأجيل سداد الاستحقاقات الائتمانية القائمة لمدة ستة أشهر. وكانت هذه التدابير الاستثنائية على مستوى القطاع المالي مهمة لضمان سلاسة تدفق الائتمان في الاقتصاد في أعقاب أزمة “كوفيد 19”.
ما الدور الذي قام به الصندوق في دعم استجابة مصر وتعافيها؟
ماثيو غارتنر: لقد قدم الصندوق دعما ماليا قدره 8 مليارات دولار من خلال خطة تقوم على ركيزتين لمساعدة مصر على تلبية الاحتياجات المالية التي نتجت عن الجائحة. وقدمت أداة التمويل السريع مساعدة مالية طارئة قدرها 2,8 مليار دولار في أيار (مايو) 2020 لضمان توافر نقد أجنبي كافٍ لدى الحكومة من أجل تمويل الواردات والاحتياجات الأخرى الضرورية. وكان اتفاق الاستعداد الائتماني (SBA)، الذي صدرت الموافقة بشأنه في حزيران (يونيو) 2020، قد أتاح للحكومة الحصول على موارد بلغ مجموعها 5,4 مليار دولار أميركي على مدى الأشهر الاثني عشر اللاحقة.
وساعد اتفاق الاستعداد الائتماني السلطات على المحافظة على الاستقرار الاقتصادي، وإعادة بناء الاحتياطيات الدولية لاستعادة الهوامش التي سحبت منها بغرض التصدي للأزمة، والتقدم في تنفيذ أهم الإصلاحات الهيكلية، بما فيها تدابير تعزيز الموارد العامة، وزيادة شفافية المالية العامة والحوكمة، وتحقيق تقدم في القوانين لتحسين بيئة الأعمال، بغية وضع مصر على مسار للتعافي القوي والاحتوائي. وحققت السياسات الاقتصادية في ظل البرنامج توازنا بين دعم الاقتصاد للمساعدة على حمايته من صدمة “كوفيد 19” وضمان بقاء الدين في مستويات يمكن الاستمرار في تحملها للحفاظ على ثقة المستثمرين. وبفضل تحرك الحكومة الحذر في الوقت المناسب على مستوى السياسات، مقترنا بالدعم من الصندوق، أبدى الاقتصاد صلابة، فيتوقع بلوغ النمو 2,8 % في العام المالي 2020-2021.
ما أبرز التحديات وأهم الأولويات أمام مصر في المرحلة المقبلة؟
سيلين آلار: على مدى الأشهر الاثني عشر الماضية، كان التزام السلطات باتباع سياسات حذرة وقوة أدائها في ظل برنامجها مع الصندوق قد ساعدا على تخفيف وطأة الأثر الصحي والاجتماعي للجائحة مع ضمان الاستقرار الاقتصادي، واستمرارية القدرة على تحمل الدين، والحفاظ على ثقة المستثمرين. ويتوقع تعافي النمو بقوة في العام المالي 2021-2022 ليبلغ 5,2 %، لكن الآفاق ما تزال ملبدة بعدم التيقن من مسار الجائحة، بما فيه ما يتعلق بالتعافي الكامل في قطاع السياحة.
وإضافة إلى ذلك، فارتفاع دين العام، واحتياجات التمويل الإجمالية الكبيرة في مصر -أي المبالغ التي تحتاج الحكومة إلى إصدارها كل عام، لتجديد القروض التي يحل أجل استحقاقها وتمويل الدين الجديد على حد سواء- يجعلانها معرضة للصدمات الخارجية، كارتفاع تكاليف الاقتراض بالمستويات العالمية مع سحب الاقتصادات المتقدمة إجراءاتها لتحفيز النشاط الاقتصادي بالتدريج.
وفي المرحلة المقبلة، سوف يكون من الضروري الاستمرار في الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي وتخفيض الدين العام. ومع انحسار التأثير المباشر من الأزمة، سيكون من الضروري كذلك التركيز على الإصلاحات الهيكلية لتشجيع النمو بقيادة القطاع الخاص، مثل سياسات زيادة الإيرادات لتمويل السلع العامة الحيوية بما فيها الصحة والتعليم وشبكات الأمان الاجتماعي، وتعزيز الحوكمة والشفافية، ومواصلة تطوير الأسواق المالية.
وتقليص دور الدولة في الاقتصاد، وضمان تكافؤ الفرص أمام جميع الشركات، وتحسين بيئة الأعمال، وزيادة اندماج مصر في التجارة العالمية بتخفيض الحواجز التجارية وضمان إمكانية التنبؤ بالإجراءات الجمركية ستكون جميعها عوامل حيوية لإطلاق إمكانات النمو الهائلة الكامنة في مصر، والحد من الفقر وتحسين الاحتواء للجميع. وسوف يواصل الصندوق دعمه لجهود مصر في مجال الإصلاح مع تقرير إجراءات السياسات المحددة لدعم هذه الأهداف وتنفيذها.-(صندوق النقد الدولي)

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock