أفكار ومواقف

مصر تجرم ثورتها

كل ما وقع في مصر قبل ثورة يناير من فساد ونهب لثروات البلاد قيد ضد مجهول. أما قتل المتظاهرين خلال الثورة فتم بالخطأ؛ أيدي الرئيس ونجليه، ووزير داخليته ومن هم في حكم المساعدين نظيفة وطاهرة.
ذلك هو ملخص الأحكام التي صدرت في الأمس بحق الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك ونجليه؛ جمال وعلاء، ووزير داخليته حبيب العادلي، وكبار مساعديه.
حكم البراءة في جوهره السياسي إدانة كاملة لثورة يناير، ولملايين المصريين الذين نزلوا إلى الشوارع رافعين شعارات الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.
ومنطوق الحكم يذهب أبعد من ذلك ليجرّم كل ثورات الربيع العربي التي كان محركها الأساس رغبة الشعوب العربية بالانعتاق من نير الدكتاتورية والفساد، وإقامة الحكم الرشيد.
مادام نظام مبارك بريئا من الفساد فما معنى الثورة عليه؟حكم القضاء المصري يجيب عن هذا السؤال؛ الثورة كانت خطأ فادحا، وحان الوقت لتصحيح هذا الخطأ. والبداية تكون بحكم يعيد الاعتبار لرموز النظام بمن فيهم رجل الأعمال الهارب من وجه العدالة حسين سالم.
مبارك بشخصه لن يعود إلى كرسي الحكم، لكن مصر كلها بعد الحكم تعود للحظة مبارك قبل الثورة، أيا يكن رئيسها ورموزها اليوم. هذا هو المطلوب في الحقيقة؛ فالرجل على المستوى الشخصي لم تعد له قيمة في الحياة السياسية، المهم تجريم الثورة على النظام القديم ليعود بحلة جديدة، وقد عاد.
كانت أمام نظام عبدالفتاح السيسي خيارات كثيرة، وليس مفهوما أبدا لماذا اختار أسوأها. كان بوسعه أن يقطع تماما مع الماضي، ويجعل من”ثورته” على حكم مرسي تاريخا لعهد جديد ينهي الصلة مع ماسبق من ثورات مصرية. خيار كهذا سيكون أقل كلفة عليه من العودة الطوعية إلى زمن مبارك، ليبدأ من حيث انتهى.
لكنه بما فعل أمس لم يكتف بتجريم ثورة يناير، إنما أخذ في طريقه أيضا “تمرد” المصريين على حكم مرسي، وجرم نفسه بنفسه، وجعل”الإنقلاب” الوصف الوحيد على ماحدث في 30 يونيو.
ليس معلوما بعد كيف لمصر أن تتجاوز آثار الحكم الكارثي. حتى الأمس أخفق النظام بما وعد به لجهة استعادة الاستقرار الأمني، وإطلاق عملية البناء في مصر التي يعاني شعبها من كوارث اجتماعية واقتصادية.
النظام يمعن في الحل الأمني، كل يوم يواجه أعمالا إرهابية في سيناء، وحوادث قتل في القاهرة والمحافظات، ولايجد وسيلة لتطويق العنف غير المزيد من الإجراءات الأمنية، ومصادرة هامش الحرية البسيط، وسجن كل من يبدي ولو بالإشارة معارضته لسياسات النظام.
التسويات الإقليمية لاتكفي لوضع مصر على السكة الصحيحة. ثمة حاجة ماسة لمصالحة وطنية في الداخل، قبل الانتخابات التشريعية. في هذا المناخ لايمكن توقع إلا المزيد من التدهور الأمني والاقتصادي، مهما بلغت المساعدات من الحلفاء الخليجيين.
الحاصل بعد الحكم أن النظام المصري”الجديد” لم يبقِ حليفا له في الداخل غير”الفلول”؛ جماعة مبارك ورجاله الذين عادوا لمواقع المسؤولية منذ أشهر،وهاهم اليوم يحتفلون بحكم البراءة إيذانا بعودة النظام الذي ظلمه المصريون حين ثاروا عليه!

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. حين تقع العدالة ، في قبضة حكم العسكر.
    إن الحكم ببراءة الرئيس المصري الأسبق ، أمر يثير كثير من الشك ، والريبة ، ويثير كثير من التساؤلات ………….. ولا يعكس ، ولا يقر مثل هذا الحكم ، صدق أدنى وجه ، من أوجه العدالة ، ولا يعكس ، ولا يقر صدق صورتها ، أو صدق وجهها الحقيقي ، أو الطبيعي …………….. فما حدث في مصر من قتل لعشرات ، بل لمئات الأرواح البريئة ، وتحدي ، واغتصاب ، وانتهاك ، ومصادرة ، وإقصاء ، وتهميش ، للكثير الكثير من إرادة ، وحقوق ، ومشاعر الشعب المصري ، …………….. وتغاضي عن انتشار واسع لمافيا الفساد ، مع سبق الإصرار ، والترصد ، خلال ثلاثة عقود متتالية ، من فترة حكم الرئيس المعزول ، يعتبر جريمة لا يمكن غفرانها ، أو السكوت ، أو التغاضي عليها …………… ولا يمكن الحكم على براءة مرتكبي تلك الجرائم ، بأي شكل من الأشكال ، ولا بصورة من الصور …………….. فكيف يكون الحال ، حين يتم تبرئة رئيس الجمهورية ، والمسؤول مسؤولية أخلاقية كاملة ، ومباشرة ، على كل ما حدث في مصر من قتل لأرواح الأبرياء ، وانتشار للفساد ، وتحدي ، واغتصاب ، وانتهاك ، ومصادرة ، وإقصاء ، وتهميش ، لإرادة ، وحقوق ، ومشاعر عشرات الملايين من البشر ، والتي تمثل أبناء الشعب المصري ، خلال ثلاثة عقود متتالية ، من فترة حكم الرئيس المعزول …………… حيث تفاجأت شعوب العالم ، كما تفاجأ أبناء الشعب المصري ، بخروج الرئيس المتهم من المحاكمة ، وبكامل البراءة الكاذبة ، والخادعة ، والمضللة ……………… وذلك من خلال الاستمرار في إقصاء ، وتهميش ، وانتهاك ، واغتصاب ، وتجاهل ، أدنى درجات العدالة ، وطعن شرف قدسيتها.

  2. غباء مزمن
    الكاتب يلوم السيسي لانه اختار أسوأ الخيارات وكأن العسكر يمتلكون عقلا في الأساس ، هم فشلوا في عملهم الأصلي فكانت هزائمهم متتالية.ومارسوا السياسة مكانت النتيجة فشل وتخلف وديكتاتورية.

  3. ثورة…ام مؤامرة
    اصبح واضحا ان ما حدث بمصر وتونس وليبيا واليمن وسوريا وما حدث لعراق الشهيد صدام حسين لا يعدوا ان يكون مؤامرة كبيرة تم تنفيدها لخدمة اهداف الاستعمار الجديد للمنطقة , فالنتيجة تؤكد ان تلك الثورات المصطنعة دمرت كل تلك الدول وخلقت تشققات اجتماعية سيطول الوقت لتجاوزها . صحيح ان حكام تلك الدول باستثناء صدام حسين لم يكونوا سوى موظفين معينون عملوا على تنفيد تعليمات اسيادهم والدوس على شعوبهم حتى انحرقت اوراقهم امام شعوبهم مما حدى باسيادهم بالعمل على ازاحتهم عن الساحة واستبدالهم بموظفين جدد . فالموضوع لا يعدوا سوى مؤامرة خارجية وطعم خبيث تلقفه المواطن العربي بكل سهولة.

  4. عن محاكمات نظام مبارك
    نظام مبارك يحاكم أمام القضاء المصري وليس أمام محاكم شعبية وهنالك العديد من القضايا بعضها صدرت بها احكاما والاخرى لا زالت أمام القضاء . مصر تحتاج التضامن لمواجهة الحاضر والمستقبل فقوتها ستكون لشعبها ولللامة فقد غادرت مربع مبارك ومربع " صديقي بيريس " الذي جاء به الربيع العربي.

  5. لا مبالاة
    الظلم والقهر والقتل هي عناوين لممارسات بعض الانظمة العربية منذ قرن من الزمن فالشعوب العربية مظلومة من انظمتها الديكتاتورية وهي مقهورة من تدخلات الامريكان في دعم الانظمة لتظلم شعوبها والشعوب العربية متناحره فيما بينها وهي تقتل بعضها اضافة الى ما تقوم به الانظمة من قتل لها اذاً العرب يعيشون مرحلة انتقالية قد تأخذ مئات السنين حتى ينبلج فجر جديد لذلك شيء عادي ان تقوم السلطات المصرية بقيادة السيسي بتجريم الثورة وعلى كل من المنتظر ان تحدث في مصر صراعات واقتتال تستمر لعشرات السنين بمعنى ان كل الاطراف المتخاصمة في الدول العربية لن تقبل ما يعرض عليها من حلول فالموج عالي جداً ومسكينة هي الشعوب العربية التي تذهب هباءً منثوراً لان العرب لا يعرفون كيفية ادارة الامور في بلادهم وانني اقترح ان يأتي خبراء من تركيا لتعليم العرب دروساً في فن حكم الشعوب

  6. الامور والسياسة الداخليه
    ارجو من الكاتب الكبير التحدث وتعمق في الامور الداخلية الاردنية بما فيها من فساد

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock