ترجمات

مصيدة الفئران السورية

أفيشان راتانسي *
 (كاونتربنتش) 6/8/2012

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

 

الفريق الحالي الذي يعمل في أطول المسرحيات عرضاً في العالم يستعد الآن لتغيره الدوري -ولا يشير ذلك فقط إلى تحولات القوة المهيمنة على مسارح الحرب. وكانت مسرحية “مصيدة الفأر” التي تعرض راهناً في الطرف الغربي من لندن، وتلعب دور البطولة فيها جيورجينا ستكليف، قد كتبتها الكاتبة القديمة التي أقامت في سورية، أغاثا كريستي. ويتغير ممثلو المسرحية التي تحتفي بعيدها الماسي مع عيد الملكة البريطانية هذا العام، كل عشرة أشهر. وفي الوقت الذي باشر فيه الممثلون الحاليون العمل، كانت سورية قد أصبحت أول بلد على الإطلاق ينجو بفضل ثالث فيتو مزدوج من روسيا والصين في مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة.
كانت كريستي وزوجها عالم الآثار، ماكس مالوان، قد استقرا مرة في فندق بارون الخيالي بالقرب من محطة قطار الشرق السريع في حلب؛ ثاني أكبر المدن السورية. ومن شرفة غرفة الفندق رقم 215، تم إعلان الاستقلال المخجل لسورية من الاستعمار الفرنسي. ولست متأكداً، مع ذلك، من أن غرفة كريستي في الطابق الثاني ما تزال تحتوي حتى على أثاث الديكور الفني الأصلي نفسه الذي شاهدته عندما زرت الفندق قبل ثمانية عشر شهراً. فمن يدري ما النفائس الفنية التي لا تقدر بثمن، والتي سلبت في حلب… بالميرا… والمدن الميتة؟ وراهناً يجري قصف فندق بارون، حيث احتسى الجواسيس الخمر أيام حكم العثمانيين، والذي استضاف لورنس العرب وشارل ديغول والرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، وبالطبع الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، يجري قصف الفندق بأصٍوات الحرب المميتة بالإنابة، والتي ربما تكون قد أزهقت أرواح نحو 20.000 شخص. وفي الأثناء، تظهر قوى الناتو بين الحين والآخر شغفها لإطالة أمد الصراع، كما سبق وأن فعلت في يوغوسلافيا وفلسطين. وفي مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة، لم يشأ قادة الولايات المتحدة وفرنسا والمملكة البريطانية تأييد مباحثات سلام بين الأطراف المتحاربة على النحو الذي اقترحته الصين وروسيا.
وفي الأثناء، يجري التشهير بسورية العلمانية التي تقع في قلب الشرق الأوسط، في أخبار الإعلام السائد في كل يوم، في سياق حملة دعائية يقوم بتنسيقها كلية وبطريقة سهلة عملاء الاستخبارات الذين انتدبهم الرئيس أوباما. ولن يردع عدم الكفاءة الذي أفضى إلى تخويل أوباما “السري”، والذي تسرب إلى وسائل الإعلام الدولية، لن يردع مراسلي الحرب غير الكفؤين عن التغني بخط الحزب الليبرالي الجديد على قنوات الأخبار التلفزيونية على مدار 24 ساعة. ولن يفوت على المرء تحميل الشبكات الأميركية أو البريطانية مسؤولية نشرات الأخبار التي تنقل احتفالات الثوار الذين يضعون شعار “القاعدة” على أوشحتهم. ويبدو وكأن واشنطن ترغب في تدمير سورية مهما كانت الكلفة في الأرواح البشرية أو الفوضى الإقليمية العارمة، أو الضربة الارتدادية مثل ضربة 11/9. وفي الأثناء، امتنع الناطق بلسان البيت الأبيض تومي فايتور عن مجرد التعليق على تقارير تحدثت عن وجود دعم سري تنظيمي أميركي للقاعدة “السرية” حول حدود سورية الشمالية، والتي أسستها تركيا والعربية السعودية وقطر. وهل سيقال لدافعي الضرائب الأميركيين إن أموالهم ذهبت إلى أيدي تنظيم القاعدة؟ وهل سيقال لحزام الإنجيل الجنوبي الأميركي إن أسقفاً فرنسياً كاثوليكياً في الميدان، يبلغنا عن عشرات الآلاف من المسيحيين الذين يطردون من حمص بسبب سياسة الحفاظ على الحالة الراهنة التي ينتهجها الناتو؟
لقد استقت أغاثا كريستي الاسم “مصيدة الفأر” من المسرحية داخل المسرحية في عمل “هاملت” لشكسبير. فالأمير يريد أن يستدرج رد فعل الملك كلوديوس بحيث تظهر فيها علاقته ومعرفته بقتل الملك. وبالتأكيد، عندما يغادر كلاوديوس الغرفة، يعرف هاملت من الذي قتل أباه. ولا تحتاج بكين ولا موسكو أو دمشق لهذه الوسيلة حتى تتحرى صاحب المسؤولية عن القتل الجمعي الذي يستمر في زعزعة الاستقرار في المنطقة. ومع ذلك، تتكرر المسرحية يومياً: على شكل ردود أفعال متلفزة من سياسيين في واشنطن العاصمة وباريس ولندن وبروكسل. لن تكون هناك مساعدة دولية للثوار الذين يقاتلون دكتاتوريين وحشيين في دول عربية أخرى -وبدلاً من ذلك، يجري تزويدهم بصادرات أسلحة، ودعوتهم لحفلات اليوبيل مع الملكة البريطانية، بل ومنح بعضهم جائزة غران بري. وفي الأثناء، وبالنسبة لسورية، هناك دعاية مقنّعة في شكل صحافة، والتي وضعت في خدمة الثوار الإسلاميين الذين يقاتلون بشار الأسد. وكما كرر في صحيفة “كاونتربنتش”، يقوم الصهاينة في تل أبيب بالتشييك على أسماء الإسلاميين للقادة الروس الزائرين، وكأنهم مجرد فرع آخر للجيش الإسرائيلي.
ثمة بعض الانتقاد الدرامي مثل ذلك الذي وجهته مارغريت ليتفين من جامعة ييل، والتي لاحظت أن مجموعة العروض العربية لمسرحية هاملت بعد العام 1975، ظلت تضع كلاوديوس في المركز، مؤكدة قوة كلاوديوس المتأصلة التي لا تقاوم. وكان أثر ذلك هو تحويل هاملت إلى تشخيص لعبثية الفعل السياسي في العالم العربي، في شكل من عرض تشاؤمية الإرادة. ومن باب المفارق أن مولي رالستون في “مصيدة الفأر” تتأمل: “ربما لا تستطيع الوثوق بأي أحد -ربما يكون كل الجميع غرباء”. ويجد ذلك السطر صداه في أوساط أولئك المنشقين السوريين المتلهفين على الإصلاح، لكنهم يدركون باطراد أن الانتفاضة ضد الرئيس الأسد قد أخذت منحى أكثر قتامة، أصبح الآن لا يمكن إنقاذه بكل التأكيد في ظل الظروف الراهنة. إنك لا تستطيع الوثوق في أي أحد.
ربما لا يجب على المرء أن يستغرب. فقد بدت سورية منذ تقرب الغرب في مرحلة ما بعد بشار مثل المكان الهلامي؛ حيث علّمت النخب الثرية والليبرالية أولادها في الخارج، فقط ليعودوا ويسعوا إلى الفوضى مع أفضل النوايا.. وفي محادثات ليست للنشر في دمشق مع ساسة كبار، يحصل المرء على انطباع مؤداه أن الإصلاح الاقتصادي الليبرالي لا يعدو كونه حصان طروادة. أما الذين تعلموا في الخارج، فيأتون ويغلب عليهم الظن بأن الخصخصة ما هي إلا دواء عالمي يمنعه بشار الأسد. حسناً، لقد باتوا يعرفون الآن ما الأجندة الفعلية، وأن الخطر بات يحدق بالجميع. وفي الأثناء، تقف الأزمة الاقتصادية الغربية لتكون درساً كافياً لما كان سيفضي إليه التحرير الاقتصادي في سورية. وقد ارتكب القذافي ذلك الخطأ نفسه، ولك أن تشاهد ما الذي حصل معه. وتنطوي القيادة السورية على إدراك أفضل للتاريخ في لجم البرامج الاقتصادية الليبرالية الجديدة، لكنها شعرت حتى النخاع بأن مدنها باتت من عجائب العالم.
لعل من شأن مباحثات سلام شامل ينخرط فيها كل اللاعبين الإقليميين، أن تساعد على نقض كل ما جرى. وتبقى محاولات الناتو لإدخال الطائفية في سورية كما سبق وفعل في العراق -حيث إعلام الاتجاه السائد يكرر كالببغاء العبارة القائلة إن البلد يدار من جانب العلويين- محاولة رديئة في أرض استوعبت عدداً من اللاجئين بالنسبة لحصة الفرد أكثر من أي بلد آخر. وهذه أرض خصبة لزرع بذور فكرة “فرق تسد” الاستعمارية، لكنه يبدو حتى الآن أن أسوأ أعمال الاقتتال المدعومة من جانب الناتو يرتكبها متمردون أجانب وحسب. ورغم ذلك، يتوجب على بكين وموسكو التصرف الآن. وبغير ذلك، وإذا ما استمر الأسد، أو سقط -وهو أمر غير مرجح- فستكون التطورات المتكشفة في سورية مصيدة فأر بالنسبة للقوى المهيمنة التي تنفث البؤس في الشرق الأوسط وما وراءه، والأكثر إدهاشاً -بالنسبة لأولئك المقيمين في ناطحات السحاب الأميركية.

*صحفي، يدير مؤسسة “أولترنيت برودكشنز ليمتد”. وأحد أهم إنتاجاتها هو برنامج “المعيار المزدوج” السياسي الساخر.
*نشرت هذه القراءة تحت عنوان:
The Syrian Mousetrap

[email protected]

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock