أفكار ومواقف

مصير الحقوق في فلسطين

حسني عايش

تعلمنا وعلّمنا أننا نمتلك ثلاثة حقوق في فلسطين، لا يجوز التنازل عن أي منها مهما كلفنا ذلك، وهي: الحق الفلسطيني؛ والحق العربي؛ والحق الإسلامي. فحق الشعب الفلسطيني في فلسطين تاريخي ويبدأ من العهد الكنعاني إلى اليوم، وإن تغيرت المسميات ثقافياً بتغير المعتدين والمحتلين، لكن الشعب الكنعاني لم يندثر ولم يبد. وقد ظل في صراع مع البدو الغزاة اليهود في «اسرائيل ويهوذا» لعدة قرون كما تفيد التوراة نفسها انتهت بقضاء الشعب العراقي عليها، ونفيهم إلى بابل، وعودة فلسطين إلى أهلها بينما بقي العراق تحت احتلال فارس إلى أن تم تعريبها بالفتح العربي الإسلامي. وهكذا نشأ الحق العربي في فلسطين.

أما الحق الإسلامي فقد سبق الحق العربي في فلسطين بالإسراء إلى المسجد الأقصى، وبأولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين (المسجد الحرام/الأقصى).

وبنشوء مسألة اليهود في أوروبا (Jewish question) نتيجة الاضطهاد والمذابح التي تعرضوا لها هناك وجد المؤتمر الصهيوني الأول في بال في سويسرا سنة 1897 الحل بالهجرة إلى فلسطين. بحجة كاذبة لأرض بلا شعب وشعب بلا أرض. وقد ترجمت بريطانيا هذا الادعاء بوعد بلفور 1917 والانتداب الذين مكنا اليهود من الهجرة علناً وسراً إلى فلسطين لإقامة دولة يهودية فيها. وهكذا نشأ صراع رباعي يهودي فلسطيني عربي اسلامي على فلسطين، انتهى بفوز اليهود به وإقامة دولتهم اسرائيل على أرضها كلها وعلى حساب شعبها.

ظلت فلسطين قضية مركزية عند الفلسطينيين والعرب والمسلمين حتى هزيمة 1967 الكبرى. ومنذئذ إلى اليوم صارت الحقوق تتراجع واحداً بعد الآخر، وقد بدأ تراجع الحق العربي باتفاقية كامب ديفيد 1979 ، تلاه باتفاقية أوسلو سنة 1993، ثم باتفاقية وادي عربة مع الأردن سنة 1994 وها نحن نشهد الآن تراجع ما بقي منه بالتطبيع والتوقيع من المحيط إلى الخليج.

أما الحق الاسلامي الذي يعتبر فلسطين وقفاً اسلامياً لا يجوز التنازل عن شبر منه، فقد بقي صامداً، لأن دولة مسلمة واحدة غير عربية ما عدا تركيا لم تطبع ولم توقع بعد، وان كان بعضها يتعامل مع اسرائيل تحت الطاولة. غير أن قبول التيار الإسلامي في إسرائيل المشاركة في الحكومة الإسرائيلية يسقط حق بقية المسلمين فيها لأنهم لم يرفضوه.

وبالتحليل بأثر رجعي ومستقبلي نجد أن هذا التراجع لا ينطوي على تنازل مشروع عن الحق، فالشعب الفلسطيني في الداخل وفي الشتات لم يوافق على اتفاقية اوسلو، وقد رفضها جملة وتفصيلاً لأن الذين وقعوا عليها لا يمثلونه باختياره بما في ذلك من ادعوا أنهم الممثل الشرعي والوحيد له. لقد فرضوا أنفسهم من الخارج عليه، ووافقتهم العرب عليه ليتخلصوا من مسؤوليتهم عن ضياع فلسطين، والدليل على ذلك استمرار المقاومة الفلسطينية ضد اسرائيل بعدها إلى اليوم.

وبالمثل لم يسقط الحق العربي في فلسطين، لأن مسؤولية العرب عن الهزيمتين والضياعين لا تسقط بالتقادم ولا بالتفويض، وان سلموا القضية إلى الممثل الشرعي والوحيد. إن هذه المسؤولية تجبرهم على الاحتفاظ بهذا الحق إلى أن يسترجعوا فلسطين ويسلموها إلى أهلها. كما أن الاتفاقيات والمعاهدات العربية مع اسرائيل مرفوضة من شعوبهم، التي تصر على حقها في فلسطين، أي على الاحتفاظ بهذا الحق إلى أن يسترجعوا فلسطين. إن الاتفاقيات والمعاهدات العربية مع إسرائيل مرفوضة من شعوبهم التي تصر على حقها في فلسطين وأن أي استفتاء لها سينبئ عن ذلك.

وعليه فإن ما نراه من هرولة عربية الآن إلى التطبيع والتوقيع مع اسرائيل مرفوض لأنه يتم بدون استشارة أو موافقة شعوبهم ليكون لهذا التنازل عن حقهم في فلسطين مشروعاً.

يقال إنه يوجد إسرائيلان الآن: إسرائيل الكبرى الممتدة من الفرات إلى النيل، وهي مركونة الآن إلى أن يأتي الوقت المناسب، واسرائيل العظمى وهي الفاعلة الآن في البلاد العربية من المحيط إلى الخليج.

أخشى أن ينتهي هذا الحال من الهرولة والتنازل عن الحق العربي، إلى إنكار الحق الفلسطيني أيضاً وتبني الرواية الصهيونية الاسرائيلية سياسياً وتعليمياً وثقافياً لمرحلة نرى فيها وفوداً عربية تشارك في وضع حجر الأساس للهيكل الثالث على أنقاض المسجد الأقصى، وتحضر ثانية عند افتتاحه مباركة له بعد إنجازه. لكن التاريخ أو المستقبل يتحرك في جميع الاتجاهات، أي انه مليء بالاحتمالات فقد ينقلب السحر على الساحر وينتهي الأمر بزوال اسرائيل، وقيام الدولة الفلسطينية الحرّة والممثلة لجميع المواطنين فيها.

المقال السابق للكاتب 

احزروا عن من يدور النص التالي؟

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock