أفكار ومواقف

مطارات عربية..!

كانت الحدود بين الدول العربية دائماً إشكالية، سواء لجيل “سايكس-بيكو” الذين وجدوا أنفسهم فجأة ضمن مساحات مسيجة بعد أن كانوا طليقين، أو من حيث التداعيات على المنطقة حتى اليوم. ويتحدث المحللون عن آلية التقسيم التي رسمت خطوطاً اعتباطية في لحظة تاريخية، وجعلتها حدوداً، ليستقر الناس حيث شاء لهم الفرنسيون والإنجليز بحيث انقسمت القبائل والعوائل والطوائف والأعراق وتوزعت في بلدان مختلفة، وترتب عليها أن تختلق “قوميات” و”أمماً” متجانسة من تكوينات قطرية يغلب أن لا تكون متجانسة، والتي يجب أن تتمايز عن “القومية” أو “الأمة” الأخرى.
لا أدري إذا كان هذا شعوراً عاماً، لكن العربي يشعر اليوم بالقلق عندما يحُط في معبر حدودي بري أو جوي إلى بلد عربي، يتوجس من احتمال التعرض لسوء المعاملة -أو حتى التحقيق أو الاعتقال لمختلف الأسباب. وسيشعر وهو لدى الهبوط في معبر عربي آخر بأنه أصبح مقطوعاً عن حماية بلده وتحت رحمة سلطات غريبة يصعب التنبؤ بسلوكها. وكثيراً ما سمعنا عن عرب يذهبون إلى بلد عربي فيُعتقلون أو لا يعودون.
أتذكر في معبر حدودي لدولة عربية جارة، أننا كنا عائلتين ذهبنا للزيارة. وكان رجل الجوازات الذي وقفنا عنده قد وضع جوازاتنا عنده وتركها وانشغل بأشياء. وعندما طلب منه أحدنا بأدب أن “يُمشينا”، ردَّ بإبعاد جوازاتنا وبختم جوازات ركاب حافلة كبيرة قادمة، -ربما خمسين أو ستين راكباً- قبل جوازاتنا. ولم نستطع أن نعترض. وحتى لو فكرنا في وضع نقود في أحد الجوازات –كما كنا نسمع- فإننا خفنا من احتمال أن يكون الرجل شريفاً ويُدخلنا في سين وجيم. ولم يتعدّ الأمر التنغيص والتأخير، لحسن الحظ، لكنها لم تكن بداية حسنة.
نشرت مجلة “الإيكونوميست” مؤخراً تقريراً قصيراً عن المطارات العربية بعنوان “حيث الأمن تسمية خاطئة: كيف تفسر المطارات العالم العربي”. وكتبت المجلة: “في معظم المطارات، يكون المرور بالفحوصات الأمنية مبسطاً، ولو أنه بلا روح، إلى منطقة مُحكمة منقطعة عن الخارج ومطهَّرة. لكن الأمر ليس كذلك في معظم مطارات العالم العربي، حيث وصولك إلى صالة المغادرة عقبة عقلية وجسدية، والتي تقول الكثير عن النظام –أو الأنظمة- المسؤولة”.
ويصف التقرير مطارات عربية ليس لها مثيل في غرابتها. في مطار بيروت الرئيسي، كما يقول التقرير، يسيطر حزب الله –ميليشيا- بشكل أساسي على المطار. لكن نظام الحكم الطائفي الصارم في البلد ينعكس في المطار. ولذلك، يوجد لكل مجموعة موطئ قدم في المطار نفسه. وهكذا، توجد للأجهزة الأمنية التي يسيطر عليها المسلمون السُنة، أو المسيحيون الموارنة، أجهزة الأشعة السينية وخطوط السيطرة الخاصة بها في المطار نفسه. وتنتج هذه الازدواجية “إحدى العلامات المميزة بهذا المطار: الطوابير المتشابكة”.
وفي مطار معيتيقة، الوحيد الذي ما يزال عاملاً في العاصمة الليبية، طرابلس، “ينظر رجال الميليشيات الإسلامية إلى حاملي الجوازات الغربية بعين الاحتقار. لكن قوات الأمن المنافسة الأخرى تجري عمليات التفتيش الخاصة بها أيضاً. ويهتم الحراس، بأزيائهم المختلفة، بحماية الجزء الخاص بهم من المطار أكثر من عنايتهم بحماية الركاب”.
وفي المطارات العراقية، يتحدث التقرير عن تكرار التعرض للفحص الأمني في عدد كبير من نقاط التفتيش في الطرق المؤدية إليها. وللوصول إلى مطار بغداد المركزي، مثلاً، سوف تمرر “عبر سلسلة من الحلقات المركزية، والتي تبدأ قبل عدة كيلومترات من محطة المغادرة. ويقوم المسافرون بإفراغ حقائبهم عدة مرات، أولاً لدى الصعود إلى حافلات المطار، ثم على عربات الأمتعة. وتقوم الكلاب البوليسة، وأجهزة الأشعة السينية، والضباط –وجميعهم من مختلف الفصائل- بفحص أمتعتك مرات عديدة –لكنك لا تشعر بأنك أصبحت أكثر أمناً مع ذلك”.
ويتحدث التقرير عن ظواهر أخرى في المطارات العربية، مثل الممرات السريعة لـ” الشخصيات المهمة” التي عادة ما تكون متواطئة مع رؤساء أجهزة الأمن؛ أو عن إمكانية تجاوز الإجراءات والطوابير بـ”البقشيش”، أو تركيز موظفي مطار “أميِّين” على شاشات هواتفهم المحمولة أكثر من شاشات الأشعة السينية، وغير ذلك.
تحولت المطارات العربية من محطات انطلاق إلى الآفاق وجني فوائد السفر السبع إلى تجربة كابوسية. ثمة مطار مقسم طائفياً، وآخر بين الميليشيات، وآخر تضطر إلى اجتيازه بالرشاوى والفساد. والمطارات العربية بهذه الصفات حقاً تكثيفات لتشوه الأنظمة والمجتمعات، ومشاعر الغربة.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock