أفكار ومواقف

مظفر النواب.. ذاكرة الحزن والأمل..!

علاء الدين أبو زينة

رحل أول من أمس الشاعر العراقي الكبير مظفر النواب. وبرحيله، ذهب واحد من آخر رموز مرحلة تميزت بتفاعلاتها ومشاعرها الفريدة.

في تلك الفترة التي امتدت على كامل النصف الثاني من القرن العشرين تقريباً، امتزجت مناخات الهزيمة والقمع الشديد بالأمل والثورة.

لم تكن الأحوال جيدة، لكنّ الناس آمنوا بإمكانية التغيير وجدوى النضال. وتجرأت الاتجاهات القومية والأممية على طرح نفسها كوصفات لتحويل المجتمعات المحلية، ومشروعات محلية وإقليمية وعالمية لجلب الحرية، وإنهاء الهيمنة الاستغلالية، وبناء عالم أكثر عدالة.

كان شعر مظفر النواب أحد المتعلقات الأساسية للمشتغلين بالتغيير وذخيرتهم الروحية. كانت لشعره المفرط في الجرأة وصدق التوصيف جماليات خاصة، وقدرة تحريضية عفوية تحل أي تساؤلات عن مشروعية التغيير وتبريراته وأدواته.

ولذلك، كان اقتناء أشرطة كاسيت مظفر وهو يقرأ الشعر جزءًا من النشاط الحيوي الذي رافق العمل السري في أجواء القمع والتعقب، عندما كان ضبط هذه الأشرطة دليل إدانة فوري لصاحبه كشخص “وطني”.

“وطني” كان وصفاً ينطوي على أغرب المفارقات. كان يعني أنك معارض للنظام القائم، على أساس تقدمي، ومناصر للقضية الفلسطينية، والوحدة العربية، والعدالة العالمية وإنصاف الفقراء.

وبذلك تكون خطراً على الكيانات السكونية التي يهددها ذلك بالتغيير. وكان ضبطك بين جمهور مظفر يعني ذهابك إلى وراء الشمس.

وكان لا بد أن يكون لديك كل أو بعض أدلة تورطك في الوطنية: أشرطة كاسيت للشيخ أمام ومارسيل خليفة، وأشعار مسجلة أو مكتوبة لأحمد فؤاد نجم، وأمل دنقل ومحمود درويش، وكتيبات تعريفية عن الاشتراكية والماركسية، أو منشورات تنظيمية أو عن القومية والأممية.

ولكن، مع الرهبة التي انطوى عليها العمل الخطر الذي قد يكلفك حريتك، وعملك، وقدرتك على السفر والتنقل، كان شعر مظفر، وبقية البضائع الممنوعة، تجد طريقها إلى التداول ويكون للحصول عليها متعته الخاصة، كأي شيء سري.

وربما تكون هذه مناسبة لأسجل الجهد الكبير الذي بذله الصديق الراحل الذي لا يُنسى، إسماعيل عبد الغني ناصر، عندما قام في أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات، بتفريغ قصائد مظفر من أشرطة الكاسيت والبكرات (ريل) وصفِّها على الحاسوب وجمعها في مجلد كبير يصوَّر ويوزَّع. وكان اقتناؤه كنزاً حقيقياً ككتاب جمالي وتوجيهي، وتوثيقي لعمل شاعر محاصر يوزع بالسر على الكاسيت.

كان شِعر مظفر مجازات كما ينبغي للشعر، وليس مجازات أيضاً. كان وصفاً كثيفاً صادقاً للحقيقة بالمفرادت التي تدل تماماً على المدلول. لم يكن شعره مبتذلاً، كما وصفه أعداؤه مستشهدين بمفرداته الجريئة.

كانت الهزيمة والقمع والحصار سمات لواقع مفرط في البذاءة والدونية، لا تصلح لوصفه بدقة مفردات متعالية.

أي شيء أجمل وأبلغ من هذه الافتتاحية لقصيدته “القدس عروس عروبتكم”:
في هذي الساعة في وطني،
تجتمع الأشعار كعشب النهر
وترضع في غفوات البر
صغار النوقْ
يا وطني المعروضَ كنجمة صبحٍ في السوقْ
في العلب الليليةِ يبكون عليك
ويستكمل بعض الثوار رجولتهم
ويهزون على الطبلة والبوقْ
أولئك أعداؤك يا وطني!
لكن كل القبح الذي يهاجم أي جمال: في مأساة فلسطين، وقمع السلطات، والرقابة والخيانة في كل مكان عربي، لم يمكن وصفه بمفردات خجولة. ويقول مظفر ذلك: “ أعترف الآن أمام الصحراء، بأني مبتذل وبذيء وحزين كهزيمتكمْ”. هكذا هي الهزيمة مبتذلة، يشعر معها المهزومون بأنهم مذنبون ودنيئون. لكن الوصف لم يكن ذا مرمى عدمي. كانت للتعافي منه له وصفة عملية – أو وصفات في الحقيقة- لدى مظفر النواب:
“إيهِ الأساطيلَ لا ترهبوها
قِفوا لو عُراة كما قد وُلِدتُم
وسُدُّوا المنافِذَ في وَجهِها
والقُرى والسواحِلَ والأرصفة
اُنسُفوا ما استَطَعتُم
إليهِ الوصولَ
مِن الأجنبيِّ المُجازِف
واستَبشِروا العاصفة.
(…)
أحرِقوا طُغَمَ القَمعِ
مِن خلفِكُم
فالأساطيلُ والقَمعُ
شيءٌ يُكَمِّلُ شيئاً
كما يتنامى الكَسادُ
على عُملَةٍ تالِفة”.
وكان تشخيص مظفر للسبب الأصيل في الهزيمة، فالقمع المحلي، صالحٌ في ذلك الوقت كما هو صالح في كل وقت.

كان ثمة قضية جامعة تفاعلت مع كل المتغيرات العربية، محلياً وإقليمياً ودولياً، ويمكن أن تُحال إليها – حتى الآن- مختلف تعبيرات الواقع العربي، من الخضوع للهيمنة الأجنبية إلى انفصال وعناد السلطات المحلية:
“أيها الجند
بوصلةٌ لا تُشيرُ
إلى القدسِ مشبوهَةٌ
حَطِّموها على قُحفِ أصحابِها
اعتَمِدوا القلب
فالقلبُ يعرِفُ
مَهما الرياحُ الدَّنيئَةُ
سَيئَةٌ جارِفة”
ومع ذلك، لم يستطع مظفر، الذي كان حالة فريدة من التماهي مع الحالة الجمعية والتعبير عنها، لم ينجُ من الخيبة التي نالت من معظمنا بعد الهزائم المتلاحقة، فكتب:
“يا وحشَةَ الطرقاتِ
لا خبَرٌ يجيءُ من العراق
ولا نديم يُسكر الليلَ الطويلْ
مضَت السنين بدون معنى
يا ضياعي
تعصفُ الصحرا وقد ضلَّ الدليلْ
لم يبقَ لي من صَحب قافلتي سوى ظلي
وأخشى أن يفارقَني
وإن بقي القليلْ”.

المقال السابق للكاتب 

صحافة الوجود لمجرد الوجود..!

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock