أفكار ومواقف

مظلومية معان وأهلها

كلما طالبت معان، او احد فيها، بمطلب على صعيد ظروفها الاقتصادية، تحديدا، خرج احدهم في وجهها ليقول لها انها مثل بقية مدن الأردن، فلماذا تطلب اكثر؟
لا تطلب معان اكثر من غيرها، حتى لو كانت بوابة نشأة الدولة الحديثة، لأن بعضنا يغمز من قناتها بالقول ان معان تفترض ان حصتها الاقتصادية يجب ان تكون اكثر كونها كانت حجر الأساس في بنية الدولة الحالية، وهذا الغمز، على كل حال، لا يغير من الواقع شيئا، وهو مردود من جهة ثانية، كونه محاولة للتهرب من المسؤولية.
قصة معان، مثل قصة مدن الجنوب عموما، الأكثر فقرا، حيث لا أمل في الأفق، ولو كانت هناك ارقام للهجرات من مدن الجنوب الى عمان لكانت مفجعة، رغم ان الجنوب عموما، هو خط الحماية الاساس في وجه الاحتلال الإسرائيلي ومشاريعه التوسعية، إضافة الى انه أيضا غني بالموارد، وهذا يعني ان اهل الجنوب، عموما، فقراء، ينامون وتحتهم كنوز الأردن التي ينالون حصة قليلة جدا منها.
هي أيضا، قصة عجلون واربد والاغوار، وكل مكان في المملكة، لكن قصة معان تأتي مختلفة، لان هناك ضيقا في صدر كثرة من معان وأهلها، اذ كلما طالبت معان كلما كان الضيق منها مضاعفا، بسبب الشعور ان معان أولى مدن هذه الدولة، التي تطرق الغائبين عنها بمطرقة الأسئلة حول المسؤولية، وحول مستقبلها، ومستقبل من يعيش فيها.
لا احد يبحث عن الشعبية في قصة معان، لكن التنمية غائبة عن المدينة، ولولا ذلك لما سار العشرات من أبناء معان الى عمان، مئات الكيلومترات من اجل وظيفة، وناموا تحت المطر وفي البرد، واغلبهم من الجامعيين، الذين يجلسون بلا عمل منذ سنوات، فلا توفر لهم الدولة أي وظيفة ولا يقترب القطاع الخاص من تلك المنطقة، خصوصا هذه الأيام التي يعاني فيها أساسا من كل أنواع المشاكل، ويواجه تراجعات كبرى في كل مكان.
هي قصة عمان المحسودة، أيضا، لكنها الغارقة في ازماتها، من البطالة، الى الديون، الى الإغراق السكاني جراء الهجرات، بحيث باتت تخنق من فيها، وغير قادرة على استيعاب احد جديد، والذي يفر من معان الى عمان، لا يأتيه راتبه، بكلفة الايجار والمواصلات، وهذا يعني ان عمان ليست هي الحل، جغرافيا بقدر كون عمان مركز القرار، وفيها تتم صناعة الحل.
لا بد من الاعتراف ان لمدينة معان حساسيتها الخاصة، ولا احد فيها يقول انه فوق البشر، لكنها تعاني بشدة، وكلفة التاريخ لا يمكن ان تغيب اليوم تحت مبررات شتى.
خذوا هذا المثل، في حكومة النسور، تم اصدار قرار بتوزيع مئات الاف قطع الاراضي على اهل معان، والاعلان كان ناقصا، فلا خدمات، ولا مشروع كاملا، ولا رؤية للتطوير العقاري، فوق الخلافات التي نشبت بسبب الاعتراضات، إضافة الى ترك اهل البادية الجنوبية، يومها، دون منحهم أي ارض، فتراجع المشروع، لاعتبارات مختلفة، وكأن قدر معان، ان تبقى كما هي.
مدن الجنوب، عموما، ومن ناحية استراتيجية، يجب ان تبقى حصناً اجتماعياً، عبر خطط التنمية، والتطوير، والمشاريع، والزراعة، والمياه، والسياحة، والتعدين، وغير ذلك، اذ ان هذه المنطقة المفتوحة على اخطر احتلال، لا يمكن تركها مفتوحة بهذه الطريقة دون بنى صلبة اجتماعيا واقتصاديا، ودون صناعة كتل بشرية إضافية، من اهل تلك المناطق في وجه المستقبل، الذي لا يعرف احد ماذا يخفي في ثناياه!
مناسبة هذا الكلام، مسيرة الباحثين عن العمل، عشرات الشباب من معان، لا خائن فيهم، ولا مندس، اغلبهم من الجامعيين، وهم يبرقون برسالة المدينة، قبل ان تكون رسالة كل فرد فيهم، وهم أيضا، يرسلون النداء باسم كل مناطق الأردن بلا استثناء، فالقصة قد تبدو مظلومية معان وأهلها، لكنها في حقيقتها مظلومية الجميع في هذا البلد، وهم لا يجدون فرصة عمل، ولا مستقبل امامهم، فوق الضرائب والغلاء، وإغلاقات الحياة التي تتنزل على الجميع.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock