أفكار ومواقف

معاذ بني عامر والمواجهة بالحزن

برأت المحكمة معاذ بني عامر من تهمة الحض على النزاع بين مختلف عناصر الأمة؛ بناء على شكوى واستنادا إلى المادة 150 من قانون العقوبات والتي تقضي بالعقوبة بالسجن والغرامة على كل من قام بالكتابة والعمل بقصد إثارة النعرات المذهبية أو العنصرية أو الحض على النزاع بين الطوائف ومختلف عناصر الأمة، وكان الدليل الاتهامي على ذلك رسالة بالواتس أب أرسلها معاذ إلى شخص آخر لم يحاكم ولم يتهم ولا يعرف أحد عنه شيئا. لم تجد المحكمة في الرسالة التي لم ينشرها معاذ إثارة للنزاع بين عناصر الأمة، لكن معاذ اعتقل على ذمة التحقيق لمدة شهر! قبل أن تثبت المحكمة براءته، هو سجن على فعل لم يقم به، وهذا الفعل الذي لم يقم به لم يكن تهديدا لأحد ولا يحرض على النزاع بين عناصر الأمة، ما هي عناصر الأمة هنا في التهمة والشكوى والذين تعرضوا للتحريض على النزاع؟ وهل كانت هذه التهمة خطيرة جدا لدرجة استثنائها من العفو العام؟ هل كانت أخطر من جرائم القتل والاغتصاب؟ هل كان قتلة الأطفال أحق بالعفو العام من معاذ بني عامر؟ من الذي يحرض على الكراهية والنزاع؟ ماذا يسمى الذين يوقظون الفتن ويفرحون مثل الشيطان لأخطاء الناس وعثراتهم وزلات لسانهم (إن أخطؤوا أو تعثروا أو زلت ألسنتهم) ويترصدونها ويستثمرون بها!!؟
لكن لم يكن التعصب في التاريخ والجغرافيا سوى غطاء لأعمال أخرى من الفشل والمقاولات، يجب البحث والتفكير دائما عند ملاحظة مثل هذه الموجات من الشكاوى والمحاكمات عن فساد وابتزاز ورشاوى وظلم وتستر، وتنشر الصحف ووسائل الإعلام على نحو متكرر عن كثير من الشكاوى الكيدية بهدف الابتزاز المالي أو السياسي او الاجتماعي أو حماية التقصير وأكل حقوق الناس، لقد رأينا عمالا وافدين تعرضوا لشكاوى شبيهة ثم تبين أنهم بريئون وأن أصحاب العمل تقدموا بشكاوى كيدية ضدهم حتى لا يدفعوا لهم مستحقاتهم، .. ماذا تخفي إذن مثل هذه الشكاوى والقضايا؟ هل كانت رسالة بالواتس أب تستدعي سجنا احترازيا وتقييدا بالسلاسل في الأيدي والأرجل؟ هل كان ممكنا تجنب هذه الشكاوى والقضايا بتسويات وعمليات ابتزاز؟ إن قصة اعتقال جهاد أبو بيدر تجعلنا نتساءل السؤال نفسه، وتحرك الفأر في عبنا!
لم يكن معاذ بني عامر ينتمي إلى جماعة سياسية أو فكرية محظورة أو غير محظورة، لم يتآمر في حياته على فرد أو دولة أو احد، لم يسئ إلى أحد، لم يتاجر بالدين ودماء الشهداء، ولم يكن يملك منبرا للكتابة والتأثير، ولم يعمل عملا منتظما، كان يعتمد على العمل “فري لانس” ولم يجد عملا برغم مؤهلاته الفكرية والثقافية المتقدمة في صحيفة أو مؤسسة ثقافية أو إعلامية، بل ولم يتح له النشر إلا قليلا، ولم يكن متطرفا، ولم يحض على الكراهية أبدا،بل العكس فكل ما يكتبه يدعو إلى المحبة والاعتدال والارتقاء بالذات.
لكن لديه الحزن! لا يملك في المواجهة سوى الحزن!
ما حياتنا سوى سلسلة من الأحزان والقهر والهزائم نتجرعها لأجل حياة أفضل لأبنائنا؟ القهر مؤكد ولكن الحياة الافضل لأبنائنا ليست مؤكدة! ما حياتنا سوى حزن نبيل! ولا يسلونا سوى الحزن؛ يمنحنا شعورا بالصواب أو أننا اجتهدنا ولا نملك أن نقدم للأطفال ولهذا العالم سوى الحزن. الحزن هو انتصارنا في حربنا هذه الطويلة لأجل الحياة! كأننا نقول لأطفالنا لم نقدم لكم ما حلمنا به ولكن حزننا يمنحكم على الاقل الادراك الكافي للمستقبل!…

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock