أفكار ومواقفالسلايدر الرئيسي

معارضة بعد الخدمة

سلامة الدرعاوي

أتفهم جيدا معارضة بعض الأحزاب والقوى للسياسات الرسمية خاصة الاقتصادية منها، فهذا جزء أصيل من عملها وبرامجها، أما ان يتحول مسؤول بعد خروجه من الخدمة العامة إلى صفوف المعارضة بشكل فوري ومفاجئ فهذا امر غريب ومستفز.
في الأردن شهدنا أشكالا متعددة للمعارضة، لكن في الآونة الأخيرة بات مثيرو الشغب هم من نفذوا وأشرفوا على السياسات المختلفة التي هي محل جدل في الشارع.
هذا ليس تطورا طبيعيا للمعارضة الوطنية، إنما هو انحدار أخلاقي في مفهوم المشاغبات من اجل الحصول على مكتسبات رسمية أو المحافظة على مكتسبات حصل عليها بموجب منصبه، أو حتى السعي لتوفير حصانة له من المساءلة بعد خروجه من الخدمة، ويكون هذا بإثارة الشغب الإعلامي في صالونات كان هو من اشد معارضيها.
للأسف، العامة يسيرون ويمدون خلف كُل من يشتم الدولة ومؤسساتها ويعتبرونه نموذجا للمعارضة، رغم ان بداخلهم يعرفون أنهم من أصحاب المعارضة الهدامة، الذين يمارسون ابتزازا مباشرا للدولة التي احتضنتهم، وجعلت منهم أسماء وشخصيات في مواقع المسؤولية، «فعندما يكون بالمنصب يرفض النقد ويشير إلى ان كل شيء سليم وعال العال، وبمجرد ان يخرج، فإن الدنيا تدمر والأمور تنهار وكُل شيء خربان».
منطق أعوج لم يعد مقبولا لدى الشارع الذي يعرف كيف يفكر هؤلاء المتقلبون بين المناصب والمعارضة، فلعبة تداور الأدوار والتلون بأشكال مختلفة باتت واضحة للعيان، واصبحوا زمرة لا تلقى أي احترام في المجتمع.
الأكثر غرابة من هؤلاء المعارضين لأهداف شخصية، ذلك المسؤول الذي بمجرد خروجه من الخدمة العامة سرعان ما يتحول إلى رجل أعمال ثري لدرجة مثيرة للقلق، فتجده يترأس الشركات المختلفة ويؤسس لشركات وهيئات استشارية ترتبط بعقود أعمال مع جهات مالية كان هو على اتصال معها أثناء العمل الرسمي بحكم منصبه.
هذا السلوك بات منتشرا لدى الكثير من مسؤولي الدولة، وقد يفسر لنا هذا التسارع والهلع من قبل بعض الشخصيات لاحتلال موقع رسمي، فالمنصب العام بات الطريق الأسرع للثراء الفاحش.
الحكومة مطالبة اليوم بإعادة الاعتبار والهيبة للمنصب العام من خلال توظيف شخصيات وطنية تقدر قيمة العمل العام الذي هو بالأساس خدمة للمواطنين، وهذا شرف ليس بعده شرف.
وهذا الأمر ضروري جدا، والسبب في ذلك انه عندما يخرج المسؤول من منصبه باحترام وتقدير تجده اول من يدافع عن السياسات الرسمية التي كان يشرف على تنفيذها، وهذا ما نعاني منه في الأردن حاليا، فغالبية المسؤولين الذين اشرفوا على السياسات الاقتصادية المختلفة في السنوات الماضية تجدهم اليوم بوقا للنقد والتشكيك بها بعد خروجهم من المناصب، فاي معارضة يتحدثون بها.
لعبة «أبو شكلين» لم تعد مقبولة، فالمعارضة جزء أصيل من العملية الإصلاحية في البلاد، لكن المشاغبات الشخصية امر مكشوف وعيب لم يعد مقبولا لِكُل القوى في المجتمع حتى المعارضة الوطنية.
أعرف جيدا شخصيات وطنية نزيهة مارست دورا ناقدا للسياسات الرسمية، ودخلت الحكومات بنفس النفس وبالعين الناقدة التصحيحية، وخرجوا من المنصب وهم في ثبات على مواقفهم، لكنهم يا للأسف قلة في مجتمعنا.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock