ثقافة

معارك الكتاب على ضفاف الثورات: لعنة أصابت الشعراء وجعلتهم بلا يد تمارس الدفع إلى الأمام

زياد العناني

عمان – لا يعنينا أبدا إذا أراد رجل أن يتقدم أو يتراجع أو يجلس في منتصف الطريق، بعد خراب النفس أو البلاد.
ثمَّ إنه أيضا لا يعنينا من قريب أو بعيد، إذا أراد آخر أن يقود سيارة إسعاف من حبر أسود لكي ينقذ الموقف، ويصحح مسيرة الشعراء والكتاب بدرس وطني لم يدخل فيه حين دخل الناس، وفضل أن يغافل المعلم ويفر وراء المدرسة.
ثمة سرقة أدوار تتم بيننا متبوعة بتصفية حساباتهم الداخلية، والأسوأ أننا نتشاتم ونتلاعن ونسرق موضوعا وطنيا “بياعا”، ونشعل النار حول لذة الاسم، وليس حول لذة النص، متناسين أننا قد نعرف اسما لم يسجن ولم يقبض عليه ولم يقتل، ولكن شبه له في جمهرة حول بيان أو بيان حول جمهرة.
كل ما يعنينا بالفعل هو أن بعض الكتاب قد دفعوا كل أصابعهم في عين الإصلاح في العالم العربي، والأردن ليس استثناء، وجلسوا حاسرين في كل مناحة، مادام البكاء عاما لذرف الدموع، متناسين طفولة الشهداء وشبابهم، ومستذكرين أنفسهم، حتى غدا الأخ يدافع عن أخيه، والابن عن أبيه، و”الطاسة” أضيع من ضائعة، وتتخفى عن الذين حلموا ذات مراهقة بتغيير العالم، فما تغير غير جلدهم، وصاروا مجرد وسطاء مهزلة بيننا.
نعرف أن لا فرق بين نظام ونظام، إلا بكثرة الغربان وبقدرة إدارة الصراع ضمن المقبرة، ونعرف أيضا أنَّ الأخلاقَ تُحتِّمُ علينا أنْ لا نتركَ شعبا عربيا بين فكي نظام يديره رجل درَسَ الطبَّ، فإذا به يحول البلاد إلى مشرحة!
ولكن الذي نودُّ أنْ نعرفه، يكمنُ في معنى المثقف، ليس عند ادوارد سعيد الذي خصه بعبء “تمثيل” العامة في مقاومة أشكال السلطة، وإنَّما عندنا نحن المثقفين العرب، بما فينا من خوف ورحلات تنقسم بين الشتاء والصيف، ولا تمر في ربيع الثورات العربية بحجة الطرق المقطعة.
هي لعنة بالتمام وبالكمال أصابت الشعراء والكتاب وجعلتهم بلا يد خلاقة تمارس “الدفع إلى الأمام لبناء كتلة ثقافية وأخلاقية تستطيع، سياسيا، بلورة التقدم الثقافي للحشد”، بحسب غرامشي فلا غرابة إذن أن يتركَ المثقف فداحة الحدث الدموي بما فيه من عار يدمغ صمته ويدمغ الأنظمة العربية، ويتمحور في شبه الدعاية، ولا غرابة أن نراه بلا نص، ويريد أن يستعير نصا كتبه الثوار بدم فائر بمعزل عن قصيدة النثر أو القصة القصيرة التي تكتب بثمان سنوات لكي تسأل هل كان الموت قاسيا ؟!.
نعم لقد كان الموت قاسيا!! من غير أن ننسى أنَّ الفضيحة ستكون أقسى حين تأخذنا الرواية الرسمية، وتأخذ أقلامنا من الحزن إلى الاشمئزاز، وحين تسلط الضوء كله على من يحاول أن يخطف نص الثوار ويحرف قصده بغية التستر على أنظمة لم تنه جرائمها بعد وستظل مولعة بالدم إلى أن تنتهي أو ننتهي.
ها نحن بعد بيان أو بيانين نهندس فرض كفاية جديدا، ثم ندخل في عرس الحارة بسمعة طيبة، وأخرى سيئة تصدر ضمن قوائم تتحدث عن عار من يصطف ومن يلتف ومن يتوارى ضئيلا ومن يخلط الأوراق، وكأننا نمسرح محاكم تفتيش في برهة ننشغل بها عن امتحان الكتابة بالناس أو امتحانهم بنا، حيث لا موقف يخدش الجسد ولا مغامرة نصية، خصوصا حين يكون الشأن داخليا أو يتعلق بوطن في العناية المركزة، وكأنَّ الإصلاح مجرد محلول يذوب في الكلي ويصير بذاته أضعف. 
ربما لا يحتاج ثوار سورية إلى موقف محفز أو رخوي وربما هم أعلى من كل منخفض ثقافي أو سياسي وأكثر قدرة على المناعة وأسمى منزلة من منزلة شاعر متمرد، أخذ عليهم انهم ينطلقون من الجامع، وغاب عنه أن الجامع يمثل ملتقى اجتماعيا في كل البلدان العربية، وليس ملتقى دينيا فقط.
إنَّ التحول المهم الذي يتهيأ لنا يتمثل في ما قاله فوكو “عن الاقتصاد السياسي للحقيقة”، وكذلك الاقتصاد الابداعي للحقيقة التي تشد الآن شعرها، وهي تقول إنَّ الكثير من الشعراء والكتاب لا دور حتى في عهن المحفوظات، وأنَّ الصمت ليس تفكيرا وإنما حبسة وعي عميم وان للاستبداد فيهم حصة كبرى وأنهم حين صدعوا رأس الدنيا بضرورة القطيعة مع الماضي لم يقطعوا خيط حبلهم السري مع النظام، وفضلوا أن يكونوا شعراء جائزة هنا وأخرى هناك أو ضيوف كابونات على أمسية شعرية تتحدث عن مقتل عصفور، وتنسى قتلى النظام العربي من أجل ترسيخ زعامات طافية لا شرعية وتحذو حذو الكارثة.

zeyad.anany@alghad.jo

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock