;
تحليل إقتصادي

معالجة أوجه الهشاشة ضرورة لتحقيق التنمية

ديفيد مالباس*

واشنطن- ما تزال الآفاق المستقبلية لسكان البلدان النامية قاتمة. فجائحة كورونا وما تمخضت عنها من إغلاقات تمثل عقبة أمام عمل الهياكل المدنية والمؤسسية بفعالية في جميع أنحاء العالم، وتزيد من تفاقم أوضاع الهشاشة والعنف، ما يسفر عن أزمات مترابطة للسياسة الخارجية والتنمية والاقتصاد.
وتظهر تقديراتنا معاناة مئات الملايين من الأسر من انتكاسات في التنمية وأفدح أزمة اقتصادية فيما يقرب من قرن من الزمان، وأن مؤشرات الفقر والنمو وعدم المساواة والتغذية والتعليم والأمن آخذة في التدهور، بدلا من التحسن.
لقد تفاقمت أوجه عدم المساواة، داخل الحدود وخارجها على السواء؛ حيث أدت سياسة المالية العامة والسياسة النقدية إلى تفاقم عدم المساواة من خلال محاباة الأغنياء من جهة، وترك الفئات والبلدان الأفقر خلف الركب من جهة أخرى. وتعاني الفئات منخفضة الدخل من أوجه قصور تتعلق بأنظمتها الحكومية ومن مواطن ضعف في المؤسسات العالمية. فهم يتحملون على نحو غير عادل وطأة الأزمات العالمية المتعددة التي ليس لها يد فيها، ولا سلطان عليها.
“كما قمنا بزيادة مساهماتنا لهذه الدول من 3.9 مليار دولار في السنة المالية 2016 إلى 15.8 مليار دولار في السنة المالية 2021، لكن من غير الممكن تحقيق نواتج إنمائية جيدة من طرف واحد”.
إن فقراء العالم هم الأكثر تضرراً من ارتفاع معدلات التضخم وأسعار الفائدة. ويواصل النظام العالمي الحالي تركيز رأس المال والثروات والإنفاق الحكومي المفرط في شريحة ضيقة للغاية من الاقتصادات المتقدمة. ويأتي ذلك بتكلفة كبيرة تتمثل في انخفاض عدد الشركات الصغيرة، وتباطؤ معدلات النمو في وسيط الدخل، وحدوث مزيد من الانتكاسات في عملية التنمية.
ومن شأن سوء تخصيص رأس المال أن يضعف الاستثمارات الإنتاجية والتدريب المهني والخدمات اللوجستية، وكلها عوامل حيوية لسلاسل الإمداد الديناميكية التي تتصدى للتضخم وشح الموارد. ولذا، فإن البلدان النامية لا تشهد في الوقت الحالي تدفقات كافية لرأس المال، ما يجعلها عاجزة عن التصدي على نحو كافٍ للتحديات المتعددة التي تواجهها. فأفريقيا، على وجه الخصوص، تواجه نقصاً في الاستثمارات وإمدادات الكهرباء والمياه النظيفة، فضلاً عن كثرة الحواجز التنظيمية.
في ظل هذه الظروف، يؤدي الصراع والعنف إلى استفحال أوجه التفاوت الاقتصادي وآثار غير مباشرة باهظة التكلفة عبر الحدود. وتشير تقديرات مجموعة البنك الدولي إلى أن هناك 23 بلدا يبلغ تعداد سكانها معاً 850 مليون نسمة تواجه حاليا صراعات شديدة أو متوسطة الحدة، وأن عدد الأشخاص الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي قد تضاعف إلى 270 مليون شخص. وهذه الاتجاهات تسير جميعا في الاتجاه الخاطئ في ظل زيادة عدد “البلدان التي تعاني من الصراعات” بأكثر من الضعف خلال العقد الماضي، ما يؤدي إلى تدفق أعداد هائلة من اللاجئين.
وفي ظل ركود الاقتصادات وزيادة شريحة صغار السن بين السكان، يجب أن تتصدر الدول الهشة والمتأثرة بالصراعات سلم الأولويات العالمية. وما فتئت مجموعة البنك الدولي، منذ نشأتها، تقوم بدور نشط في الدول الهشة، وقد قامت بتعبئة موارد كبيرة لمساعدتها على رسم مسار نحو المستقبل. وخلال الأعوام الأربعة الماضية، زدنا أعداد موظفينا إلى الضعفين تقريباً في المناطق الهشة ليصل إلى أكثر من 1200 موظف في الوقت الحالي. كما قمنا بزيادة مساهماتنا لهذه الدول من 3.9 مليار دولار في السنة المالية 2016 إلى 15.8 مليار دولار في السنة المالية 2021، لكن من غير الممكن تحقيق نواتج إنمائية جيدة من طرف واحد. ويواجه العالم خطر التحرك ببطء شديد، إذ يلحق ارتفاع معدلات التضخم وأسعار الفائدة وأعباء الديون الهائلة أضراراً بالغة بالبلدان التي تعاني من أوضاع الهشاشة والصراع والعنف، ويشكل ضغوطاً على ماليتها.
إن تنسيق الجهود الدولية أمر حيوي في إيجاد الحلول. ويجب وقف شحنات الأسلحة التي تدخل الدول الهشة والمتأثرة بالصراعات والحد من انتشار الأسلحة النارية والألغام الأرضية التي خلفها اندلاع أعمال العنف السابقة. علاوة على ذلك، يتطلب الحد من التوترات إخضاع الشركات الأمنية الدولية للوائح تنظيمية أكثر صرامة.
ويمكن للمنظمات متعددة الأطراف أن تسهم بدرجة كبيرة وملموسة في تحقيق الأمن عندما يكون لها تواجد قوي على أرض الواقع. إذ تعاني حكومات الدول الهشة والمتأثرة بالصراعات من ضعف القدرات بوجه عام، ولذلك فثمة منافع واضحة لاستمرار المشاركة المباشرة لمساعدة البرامج على العمل بفعالية. وتثبت الابتكارات في مجال التكنولوجيا، بما في ذلك المدفوعات الرقمية، أهميتها الكبيرة للأسر منخفضة الدخل ومؤسسات الأعمال الصغيرة في البيئات الهشة.
لقد بات اتخاذ إجراءات منسقة في هذه الأوقات المضطربة ضروريا أكثر من أي وقت مضى. وينبغي أن تعزز الاتفاقيات الدولية المركزة التنمية البشرية والاقتصادية في الدول الهشة والمتأثرة بالصراعات، وأن تتيح لها إمكانية الحصول على الأدوية بأسعار معقولة، وأن توقف تدفق الأسلحة المستخدمة في إشعال الحروب. ويجب أن تجنب تدابير الاقتصاد الكلي التي تتخذها بلدان العالم النامية في مواجهة ارتفاع معدلات التضخم انزلاقها إلى مرحلة جديدة من الاضطرابات الاقتصادية، وينبغي اعتماد آليات عملية لإعادة هيكلة ديون البلدان الأشد فقراً وزيادة شفافية شروطها.
إن البلدان النامية بحاجة إلى مسار قابل للتطبيق للتخفيف من حدة الفقر وتعزيز الرخاء الذي يتشارك الجميع في جني ثماره لتجنب الانزلاق في دورات الصراع والعنف. وستواصل مجموعة البنك الدولي العمل على تحقيق النتائج على أرض الواقع -بالعمل الوثيق مع الحكومات والمجتمع المدني والقطاع الخاص- للحد من الفقر وضمان ازدهار بني الإنسان.

*الرئيس الثالث عشر لمجموعة البنك الدولي

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock