ترجمات

معاناة الفلسطينيين: الجرائم الإسرائيلية والنفاق العالمي

 ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

روبرت فانتينا — (كاونتربنتش) 22/7/2014

مع استمرار حملة الإرهاب الإسرائيلية على قطاع غزة قد يكون مثيراً للاهتمام إلقاء نظرة على رد الفعل العالمي، أو الافتقار إلى رد الفعل.
أولاً، دعونا نؤسس السياق. كانت إسرائيل قد تشكلت من خلال التطهير العرقي لأكثر من 750.000 فلسطيني طردوا من بيوتهم دون تعويض إلى مخيمات للاجئين. واستولت إسرائيل على أكثر بكثير من 50 % من أراضيهم في ذلك الوقت. ومنذئذٍ، وعبر البناء الاستيطاني غير القانوني، تم حشر الفلسطينيين في داخل أقل من 20 % من أراضيهم، وما تزال هذه المنطقة تنكمش باستمرار.
دائماً ما تتقدم الولايات المتحدة، الدمية المفضلة لدى إسرائيل في كل العالم، لتعرض “بنبل” خدماتها لحل الموضوع. ومع ذلك، وعندما ينتقد مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة إسرائيل على واحد من عناصر انتهاكاتها المتعددة للقانون الدولي، تعمد الولايات المتحدة إلى استخدام حق النقض “الفيتو” ضد مشروع القرار.
بينما تعرض الولايات المتحدة، على نحو مخادع، التوسط للتوصل إلى صفقة بين إسرائيل وفلسطين، نجد رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، يقول بثبات أن إسرائيل لن تتخلى عن الضفة الغربية أبداً. وهذه الضفة هي جزء من فلسطين، وهي التي ينبغي أن تكون الدولة الفلسطينية الحرة في المستقبل.
ترغب الولايات المتحدة في التوسط في مفاوضات بين كيانين لا يمكن أن تكون بينهما مفاوضات. وسيكون بالإمكان أن يتم ذلك فقط عندما يكون لدى كل طرف شيء يريده الطرف الآخر ويمكنه الحصول عليه عندما يتنازل عن شيء يمتلكه. ولدى فلسطين الكثير الذي تريده إسرائيل، لكن إسرائيل تستطيع أخذه ببساطة، من دون أن تقدم شيئاً في المقابل. وقد فعلت ذلك لأجيال، حيث تراعيها الولايات المتحدة على الدوام وتغض الطرف عنها.
تدعي إسرائيل، على نحو لا يصدق، بأنها تفعل ما تحتاج إليه فقط لضمان أمنها القومي. وهذا هو البلد الذي يتلقى أكثر من 3 مليارات دولار من الولايات المتحدة في كل عام ليكون نتيجة لذلك رابع قوة عسكرية في العالم. أما فلسطين التي لا تتوافر على موازنة عسكرية لأنه ليست لديها قوات عسكرية، فمن الصعوبة بمكان النظر إليها على أنها تهدد إسرائيل.
إن نظرة على بعض انتهاكات القانون الدولي التي ترتكبها إسرائيل، حتى بينما تتم كتابة هذه السطور، ستبعث حتماً على الصدمة.
في قطاع غزة:
• قصف المدارس والمساكن والمساجد والمستشفيات.
• استهداف الأطفال، مثل أولئك الذين كانوا يلعبون على شاطئ غزة، والذي أفضى إلى مقتل أربعة منهم على الأقل.
• القصف من دون اعتبار لسلامة “غير المقاتلين”.
• حصار كافة حدود غزة: البرية والبحرية والجوية.
• قطع امدادات المياه عن سكان غزة.
• تدمير الخزانات التي يستخدمها الفلسطينيون لمياه الشرب.
في الضفة الغربية:
•نقل مئات الآلاف من الإسرائيليين إلى داخل الأراضي المحتلة.
• تشريد مئات الآلاف من السكان عبر تدمير مدن بأكملها.
• قصر استخدام طرق معينة على “الإسرائيليين فقط”.
• وضع نقاط تفتيش لا تعد ولا تحصى في داخل الضفة الغربية، وجعل الانتقال من منطقة إلى أخرى والذي ينبغي أن يستغرق بضعة دقائق في العادة يطول لساعات.
• حرمان السكان من المساعدات الطبية التي تمس الحاجة لها.
ومن الممكن أن تطول كلا القائمتين.
الآن، دعونا نرى ما يقوله بعض قادة العالم عن كل هذا.
*رئيس الوزراء الكندي ستيفن هاربر: “الهجمات الصاروخية العشوائية التي تطلق من غزة على إسرائيل هي أفعال إرهابية لا مبرر لها.”
* الرئيس الأميركي باراك أوباما يعيد التأكيد على حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها ضد هجمات الصواريخ التي يشنها متشددو حماس.
* وزير الخارجية الأميركية جون كيري قال أنه لا يستطيع أي بلد القبول بهذه الهجمات الصاروخية، مضيفاً أن التخفيف من تصعيد الأزمة يصب في نهاية المطاف في مصلحة كل الأطراف.
* وزير الخارجية الألمانية فرانك-فولتر شتينماير قال: “لقد خلق الهجوم الصاروخي على إسرائيل انطلاقاً من غزة حالة تهدد بعملية تصاعدية من إجراءات العنف والعنف المضاد. من الطبيعي أن يكون لإسرائيل الحق في حماية مواطنيها من هجمات الصواريخ.”
* ستيفان دوجاريك، الناطق بلسان الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، قال إن بان كي مون “يدين الهجمات الصاروخية المتعددة الأخيرة التي أطلقت على إسرائيل من غزة”، وأن هذه “الهجمات العشوائية على المناطق المدنية يجب أن تتوقف.”
* السفير الفرنسي لدى إسرائيل باتريك مايسوناف قال: “عندما يكون المرء هنا (أشدود، إسرائيل)، على بعد 30 كيلومتراً (19 ميلاً) من غزة، فإنك تستطيع أن تشعر بقربك من القلق والخوف الدائمين اللذين تعيشهما العائلات في الجنوب، التي تجد أنفسها مرة أخرى رهائن للعنف. وأود أن أقول لهذه العائلات إننا لا ننساكم، وإن فرنسا تقف على طول الخط إلى جانبكم”.
* وقال الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، أمام جلسة طارئة لمجلس الأمن الدولي، إنه يجب على إسرائيل وحماس “ممارسة أقصى درجات ضبط النفس” من أجل وضع حد للقتال.
قد يكون من المفيد النظر إلى كل واحد من هذه التصريحات بشيء من التفصيل من أجل فهم الكيفية التي يفضل كل واحد منها إسرائيل بشكل مفضوح وغير نزيه.
يقول السيد هاربر إنه لا مبرر للهجمات المنطلقة من غزة، ربما لأنه ليس مدركاً أن إسرائيل ما تزال تحاصر غزة منذ أعوام، حارمة سكانها من أي حرية في التحرك. وربما أنه غير واعٍ لحقيقة أن إسرائيل تراقب وترصد عن كثب ما يستورد من إسرائيل وما يصدر إليها. وتتضمن القائمة التالية بعض المواد “الخطيرة” التي إما منعتها إسرائيل أو تمنعها راهناً، والتي يجري استيرادها لقطاع غزة:
العدس والعجينة، ومعجون البندورة والعصير، والصودا والمربى والبهارات، ومعجون الحلاقة وشبس البطاطا والحلويات، والسكاكر والغذاء المجفف والخل والشوكولاتة، والطباشير والقرطاسية وكرات القدم والآلات الموسيقية، وورق التواليت والكتب والشموع، والملابس والكؤوس والسكاكين والأواني الفخارية، والأجهزة الكهربائية مثل الثلاجات والغسالات، والزجاج وفوانيس الإضاءة والكبريت، والإبر والشراشف والبطانيات والأحذية والفرشات وقطع غيار الماكنات والسيارات والخيوط. وبالإضافة إلى ذلك، منعت إسرائيل استيراد حبال وشبكات الصيد والحاضنات وقطع غيارها والبطاريات الخاصة للمساعدة على السمع والكراسي المتحركة.
لم تسمح إسرائيل بدخول –أو أنها فرضت دخولاً محدوداً- إلى غزة بشكل كبير على مواد البناء، مثل الزجاج والفولاذ والبيتومان والخشب والأصباغ والأبواب، والأنابيب البلاستيكية والأنابيب المعدنية، وقضبان التعزيز المعدنية والكتل والمولدات وكوابل الضغط العالي وكوابل البرقيات الخشبية. ويعتمد الكثير من اقتصاد غزة على الصيد. ويطلق الإسرائيليون النار على الصيادين العاملين في حدود ثلاثة أميال من الشاطئ، بينما يتيح القانون الدولي الصيد لمسافة أبعد (12 كيلومتراً).
قال كل من أوباما وكيري أن لإسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها ضد هجمات الصواريخ. لكن أياً منهما لم يذكر حقوق الفلسطينيين في تقرير المصير أو الانتهاكات العديدة للقانون الدولي التي تدان بها إسرائيل. أما شتاينماير، فيفتقر تماماً إلى إدراك الموضوع عبر القول بأن الحالة الماثلة في الشرق الأوسط راهناً قد نجمت عن الهجمات الصاروخية المنطلقة من غزة. فقد خلقت إسرائيل هذه “الحالة” قبل أجيال، وأذكت نارها عبر كبتها الكريه للحقوق الإنسانية للفلسطينيين.
بدوره، لم يكن لدى دوجاريك أي شيء ليقوله، بينما يدين هجمات الصواريخ من غزة، عن القرارات العديدة التي تبنتها الأمم المتحدة والتي تدين انتهاكات إسرائيل للحقوق الأساسية الإنسانية للفلسطينيين. وربما كان بإمكانه التأمل في حقيقة أن الأمم المتحدة تبنت قرارات تدين إسرائيل أكثر مما تبنت قرارات تدين كل البلدان الأخرى الأعضاء في الأمم المتحدة مجتمعة.
ومن جهته، يتحدث السيد مايسوناف، بشكل مفهوم، عن القلق والخوف اللذين يعيشهما الإسرائيليون القريبون من غزة. ويبدو أنه لا يعي حقيقة أن كل الغزيين يعيشون تحت نير ذلك القلق على نحو يومي.
ولا يبدو أن السيد كي مون يفهم أن “أقصى درجات ضبط النفس” تختلف جداً عندما تسري على العالم الثالث، حيث الشعوب المضطهدة والرازخة تحت نير الاحتلال، مقارنة مع سريانها على قوى عسكرية رئيسية.
على أنه ليس كل قادة العالم يعانون من قصر النظر، فقد حذر الرئيس التركي، عبد الله غول، إسرائيل من مغبة شن هجوم بري على قطاع غزة وطالبها بوقف ضرباتها الجوية على المدنيين. وقال: “إن إسرائيل تستغل الحالة وتقصف فلسطين من البحر ومن البر، مدمرة المنازل وقاتلة الناس الأبرياء على مرأى من أعين العالم.”
وهناك تقرير إعلامي منبئ أيضاً: “ضربت صواريخ من غزة أجزاء في وسط وجنوبي إسرائيل، وهو ما عطل حياة الناس هناك، لكنها لم تتسبب في إحداث أي إصابات خطيرة.” وبينما قد يكون ذلك بياناً صحيحاً، فإنه ليس هناك ذكر للصواريخ التي أطلقها الجانب الإسرائيلي على كل قطاع غزة، ما أفضى لمقتل أكثر من 400 رجل وامرأة وطفل، وجرح أكثر من 1000 آخرين حتى إعداد هذا الموضوع.
تلوم الولايات المتحدة، شأنها شأن العديد من البلدان الأخرى والكثير من الإعلام الأميركي، الجانب الفلسطيني على العنف المستعر. وبينما يقع بعض اللوم على فلسطين، فإنه لا يتصل بحماس، وإنما بالرئيس الضعيف الذي لا يملك الإرادة، وألعوبة إسرائيل الرئيس محمود عباس. فقد عمل لعدة سنوات مع حكومة إسرائيل، سامحاً لها بسرقة المزيد والمزيد من الأراضي وتشريد المزيد والمزيد من الفلسطينيين. وحتى هذا اليوم، وفي أعقاب قتل الأطفال الفلسطينيين الأربعة الذين كانوا يلعبون على الشاطيء، فإنه لم يتقدم بالتماس لمحكمة الجنايات الدولية من أجل تعويض الفلسطينيين وإنصافهم. ولن يكون حال الفلسطينيين ليكون أسوأ لو كان نتنياهو نفسه هو الرئيس الفخري للسلطة الفلسطينية.
إن حق تقرير المصير هو حق أساسي لكل الشعوب. لكن إسرائيل، بتواطؤ من كندا والولايات المتحدة وعدة بلدان أخرى، ما تزال ولأجيال تنكر على الفلسطينيين هذا الحق الأساسي. وغالباً ما تبرر مقاومة ذلك هذا القمع الإسرائيلي المرعب. وقد دمرت الدول الامبريالية، مثل الولايات المتحدة، الحركات الشعبية الثورية بنجاح، وهي تشعر بقلق مفهوم من التطلعات الوطنية الفلسطينية. ولن يسمح اللوبي الإسرائيلي المفعم بالقوة للمشرعين الأميركيين بإثارة أسئلة عن ممارسات الإبادة الجماعية التي تمارسها إسرائيل. ولا يوجد هناك شيء مثل سيادة الدولة في الحوكمة الأميركية: يوجد فقط محفز الفائدة، بينما تحتل حقوق الإنسان مكاناً قصياً ثانياً (أو ثالثاً أو رابعاً) بعدها.
لقد استغرق الأمر أعواماً حتى يضع الناس من حول العالم نهاية لممارسات الأبارتيد في جنوب إفريقيا في نهاية المطاف. وما تزال الحركة لإنهاء ممارسات التفرقة العنصرية الإسرائيلية تنمو. ولن يتأتى نجاحها سريعاً جداً بالنسبة للفلسطينيين الذين يتجشمون المعاناة.

*أحدث كتاب لروبرت فانتينا هو “الإمبراطورية والعنصرية والإبادة الجماعية: تاريخ السياسة الخارجية الأميركية”. ( مطبعة بيل).
*نشرت هذه القراءة تحت عنوان: Israeli Crimes and World Hypocrisy

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock