اقتصاد محافظة معان يقول إنها منجم اقتصادي متكامل. فهي ليس فقط أكبر المحافظات مساحة، بل والأهم، هي منجم من المواد الخام، والطاقة المتجددة، وممر لأهم سياحة مستدامة والمتمثلة بقوافل الحجيج، بل هي بوابة جنوبية للاقتصاد الوطني، ونافذة مُشَرّعَة تنتظر الاستغلال الأمثل لإمكاناتها.
وقد عَمِلتُ في فترة من الفترات مع مجتمع المحافظة لوضع خطة استجابة، ومنظومة تحليل لواقع الحال بغية التعامل مع الآثار الاقتصادية والاجتماعية للجوء السوري على المحافظة، ووجدت في معان منجماً من الخبرات البشرية، والمواد الخام، والمواقع السياحية، بل والرغبة لدى الجميع ممن تحاورت معه على مدى ثلاثة أيام، على العمل والإنتاج وعلى المساندة في استغلال إمكانات المحافظة ومورادها الطبيعية والبشرية.
وقد قامت هيئة الاستثمار، ووزارة الاستثمار، أيضاً، على وضع خريطة استثمارية للمحافظات وكانت معان إحدى هذه المحافظات المهمة التي برز فيها من الإمكانات والفرص ما يساعدها على أن تتحول إلى منطقة تنموية متكاملة. وتكاملية معان تكمن في أنها محافظة يمكنها أن تحتضن أهم الصناعات، وهنا نتحدث عن السليكا “الرمل الزجاجي” والصناعات المرتبطة بها، خاصة في مجال صناعات الزجاج، والصناعات المرتبطة بالشرائح الإلكترونية والألياف الضوئية وجميعها من الصناعات التي تقوم عليها متطلبات الثورة الصناعية الرابعة اليوم، إضافة إلى الصناعات القائمة على المواد الخام من فوسفات، وإسمنت، وصناعات حجرية، وغيرها.
كما يمكن أن تكون معان المولد الرئيس للطاقة للمملكة ككل، فهي من أهم المناطق التي يمكنها أن تولِّد الطاقة المتجددة من الرياح ومن الشمس، وقد تكون بوابة لتصدير تلك الطاقة إلى الدول المجاورة، كما أن المحافظة تعد أهم بوابة خدمات لوجستية لتفويج الحجاج والمعتمرين إلى الأراضي المقدسة في السعودية.
وهنا نتحدث عن إقامة مدينة خدمات متكاملة للحجيج، بحيث يتم في تلك المدينة استضافة المعتمرين والحجيج قبل نقلهم إلى الحدود، ضمن رسوم خدمات رمزية محددة، ويتم تفويجهم إلى الحدود عبر خدمات، ذات مستوى سياحي مميز ومتكامل، بما في ذلك تجهيز إجراءات السفر، والمعيشة، والراحة، والطعام، وغيرها من متطلبات الضيافة قبل استكمال المسير إلى الأراضي المقدسة، وهو أمر في غاية الأهمية خاصة للحجاج والمعتمرين القادمين من الدول الأخرى، من مصر وتركيا وسورية وغيرها.
والمحصلة مما سبق، أنه بين قطاعات الصناعة والطاقة والخدمات اللوجستية المشار إليها ستغدو معان مُستقْطِبة للوظائف، ومحرِّكة لعجلة الاقتصاد في المملكة، وسيقوم على ذلك العديد من المرافق والاستثمارات التي لن توظف أبناء معان فحسب، بل والمحافظات القريبة منها والبعيدة عنها على حد سواء. معان التي احتضنت بدايات تأسيس الدولة، يجب أن لا تترك بدون خطة تنموية تستحقها، وتقوم على إعادة مكانتها. وقناعتي بأن تحويل معان إلى مدينة تنموية شاملة سيجعلها قادرة ليس فقط على تجاوز أزمة الوضع القائم فيها اليوم، بل والتحول إلى أهم مصدر للدخل والتنمية للاقتصاد الوطني.
المطلوب اليوم يكمن في البدء فوراً بإعلان معان محافظة تنموية خاصة، ووضع مخطط شمولي لها بالاستفادة من الخريطة الاستثمارية التي أنجزتها الحكومة سابقاً، ومن ثم الاعلان فوراً عن شركة مساهمة عامة تحت مسمى “صندوق تنمية معان” برأسمال أولي بمبلغ مائة مليون دينار، تسهم الحكومة فيه بالنصف، وتفتح المجال لاكتتاب عام للجمهور من المواطنين ومن المغتربين والراغبين، وبحيث يعد ذلك الصندوقُ المطوِّرَ الرئيسَ للمحافظة، وبالتالي تفويضه باستثمار الأراضي المتاحة كافة من باب التطوير وليس التمليك، على أن يتم نقل الملكية للمشاريع الحقيقية التي يستثمر بها الصندوق مع المستثمرين الجادين.
يمكن لمعان أن تتحول إلى أهم نموذج لتنمية المحافظات، عبر خطة شمولية تنموية متكاملة، وهناك العديد من الأشكال التي يمكن تبنيها، منها ما هو قائم في العديد من الدول حولنا، في دولة الإمارات، والصين، وسنغافورة، وغيرها من الأمثلة الناجحة على استغلال المدن وفق خطط تنموية شمولية خاصة، ومتخصصة. معان التحدي اليوم، يجب أن تتحول إلى فرصة حقيقية للتنمية، ونموذج للتحول الاقتصادي الناجح والتنمية اللامركزية الفاعلة. ومنها يجب الانطلاق إلى المحافظات كافة وفق خطط تنموية شمولية تتناسب وموارد وإمكانات كل محافظة من محافظات المملكة الاثنتي عشرة.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock