أفكار ومواقفرأي اقتصادي

معايير أداء اقتصاد شهر رمضان

شهر رمضان من الناحية الدينية، لم يأتِ ليكون شهر التبذير أو الإسراف أو البذخ، بل على العكس من ذلك كله، فهو شهر العبادة، والتقرب إلى الله، وترشيد الإنفاق، والتسامح بين الناس، ومساعدة الفقراء، والشعور معهم، وهو شهر المحبة، والتواد والتواصل، وبالتالي فإن المعادلة الحقيقية في المفهوم الاقتصادي النظري أن رمضان يجب أن يكون شهر الادخار، بالنسبة للطبقات القادرة، وذلك لانشغالها في العبادة وابتعادها عن بذخ الحياة والإسراف، وهو شهر التقارب والتسامح وترشيد النفقات؛ أي أنه شهر إعادة توزيع النفقات بحيث يتم توجيه بعضها لحاجات الأقارب والتراحم، عبر هدايا رمضانية متواضعة، وعبر الصدقات، ومن ضمنها صدقة الفطر، وعبر إطعام الصائم، ضمن كفارة عدم الصيام، وعبر زيادة التبرع للفقراء والمحتاجين من الأسر والعائلات الفقيرة.
ولعل المحصلة الرمضانية، هي التوازن بين نسب زيادة الادخار لفئة الأغنياء، وهي فئة قليلة نسبياً في المجتمع، ولكنها المُسيطرة على الدخل، ونسب زيادة الإنفاق، قياساً إلى الشهور الأخرى، للفئات الفقيرة ومتدنية الدخل التي منها فئات تتلقى الدعم والعطايا في الشهر الفضيل، وهذه الفئات هي التي تُشكل نسبا كبيرة في المجتمعات.
الشاهد مما سبق جميعه، أن شهر رمضان، بمفهومه الاقتصادي، هو شهر إعادة توزيع الدخل بين الفئات التي تسيطر على النسبة الكبرى من الدخل، وهي في نسبتها إلى المجتمعات لا تكاد تصل إلى الثُّلث، لصالح الفئات الأقل حظاً والأقل دخلاً، والأكثر فقراً، وهي الفئات التي تشكل النسبة الكبرى من الناس في شتى دول العالم.
الأساس أن يساعد رمضان على تخفيف جيوب الفقر، وأن يشكل رافعة لإنقاذ بعضها وإخراجها من تلك الجيوب، وأن يساعد الفقراء على تحسين مستوى معيشتهم خلال هذا الشهر، عبر منافذ صدقة الفطر، وكفّارة الفطر، وروحانيات العطاء والتبرع والمساعدة في الشهر الفضيل، لا أن يكون بوابة الإسراف من قِبَل المستهلكين في شتى طبقات ومستويات الدخل، ولا أن يكون بوابة الاستغلال من قِبَل بعض التجار.
رمضان، بمفهومه الروحاني، بوابة المغفرة، والتراحم، والتواد بين الناس؛ أي أنه بوابة إعادة توزيع الدخل، بمفهومه الشامل.
وفي حالتنا، حيث ارتفعت فيها جيوب الفقر من 22 سابقاً إلى نحو 36 جيباً حالياً، ووصلت فيها نسبة الفقر بالإحصاءات الرسمية إلى نحو 16 % من السكان، وانخفضت فيها دخول الأفراد تراكمياً خلال السنوات العشر الماضية، فإن روحانيات رمضان بالمفهوم الاقتصادي يجب أن تعمل تحديداً في مجالات إعادة توزيع الدخل بين الطبقات، والوصول إلى معادلة سنوية تكون فيها “معايير أداء الناس والاقتصاد” تتحمور حول تحقيق أهداف رمضان الروحانية، أمام الله عز وجل، وهي معايير يجب أن تتحدد في عدد ونسبة جيوب الفقر، والفقراء الذين تم انتشالهم مما هم فيه بفضل رمضان.
وكم من محتاجي الوظائف تم توظيفهم، ومعيار ذلك في النسبة التي انخفضت بها البطالة في المجتمع، ومعيار كم ونسبة أصحاب الحاجات الأساسية، من علاج، وتعليم، وكساء، ومسكن، الذين تم تلبتيهم.
أي أن الاقتصاد معني بوضع مصفوفة إنجاز معايير أداء رمضان ليتحقق مما تم إنجازه من معايير مجتمعية حقيقية تتناسب وروح عبادة الصيام، وبغير ذلك نكون قد خرجنا عن مفهوم الصيام، الذي لا يقوم على الإمساك عن الطعام والشراب فحسب، بل وأيضاً، والأهم، على مساعدة المحتاجين، وكف الأذى، وإغاثة الملهوف، والعطاء، والمحبة والتواد، وخلق اقتصاد مجتمعي صحي ينعم به الجميع بمستوى حياة أفضل مما سبق.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock