أفكار ومواقف

معايير للمسؤولية الوطنية

التفكير في ملف النزاهة والكفاءة، سواء كان ذلك على مستوى الحكومات أو النخب أو الأفراد، يحتاج إلى أطر تُنزل هذا التفكير من التنظير إلى أرض الواقع. وعلينا هنا تذكر أننا في العالم العربي، وفي الأردن بشكل خاص، في مرحلة تأسيس وليس في مرحلة انتقال في مجال الحوكمة والرشد، الأمر الذي يعني الحاجة إلى إعادة تعريف المسؤولية الوطنية وحدودها؛ في التأسيس القانوني وفي الممارسة السياسية، وفي الغرس الثقافي وفي التربية على المسؤولية والنزاهة للأجيال الجديدة.
قد تكون الإصلاحات السياسية والاقتصادية، وحتى الاجتماعية، بوابة ناعمة وربما غير مرئية لتمرير الفساد. حدث هذا في جهات عديدة من العالم، وعلينا أن نراجع تجارب التحولات السياسية والاقتصادية في أوروبا الشرقية. كما حدث ذلك أيضاً لدينا منذ مطلع التسعينيات إلى وقت قريب جداً؛ إذ مر من تحت جسر الإصلاح الهش الكثير من الصفقات والتحولات التي دفع ثمنها الناس ومؤسسات الدولة معاً.
نحن أمام مرحلة تحتاج إلى إعادة تعريف المسؤولية الوطنية في ثلاثة أبعاد، هي: القانونية، والسياسية، والثقافية؛ ووضع معايير واضحة قابلة للمراجعة والقياس، كما ممكنة المتابعة من قبل وسائل الإعلام ومؤسسات المجتمع المدني.
التشريعات التي تؤسس منظومة قانونية ضد الفساد، وتسعى نحو تعميق جذور النزاهة ومأسستها، تحتاج أيضاً إلى تعريفات إجرائية واضحة وشفافة، لا تكتفي فقط بصرامة الإجراءات ضد صغار الموظفين كما يجري كل يوم، بل تحتاج هذه المنظومة إلى تعريفات إجرائية واضحة تنال الجميع، وتحاصر المساحات الرمادية التي مُرّرت من خلالها صفقات كبرى. حينها، كان لسان حال الحكومات، وحتى المراجع القانونية، هو عدم وجود شبهة بالفساد، وحينما توجد الشبهة يصبح أن وجود شبهة الفساد لا يعني وجود الأدلة. وهذا الإدعاء واللعب في المنطقة الرمادية كانا كافيين لإغلاق عشرات الملفات.
وضع معايير للمسؤولية الوطنية تطال وضع معايير شفافة، تنال الأداء اليومي والأداء العام للمسؤولين من رئيس الوزراء مرورا بوزرائه وكافة من يتحملون المسؤولية في الصف الأول والثاني، وكذلك معايير لمراجعة أداء البرلمان ومساءلته من قبل الرأي العام، ومعايير لمراقبة أداء القضاء، ومقاييس تتبع دور القانون ومدى نفاذه على الجميع. والمسؤولية الوطنية تعني وضع معايير متابعة للسياسات العامة في كافة القطاعات، تمكن وسائل الإعلام والرأي العام من متابعتها عن كثب؛ فحينما تتوفر شفافية موثقة حول معايير المسؤولية، يتراجع الحديث الغامض حول النزاهة والفساد والكفاءة.
لقد قطعنا شوطا طويلا في الحديث عن تلك المفاهيم من دون أن تتوفر لدينا الآليات للإمساك بها، حتى أصبح الحديث المرسل حول الكفاءة الوطنية في الأداء العام، وكل ما يتبعها من مفاهيم وممارسات، مجرد إنشاء سياسي ولعب بأعصاب الناس.
قبل الحديث عن تقاليد الانتقال السياسي العادل، يحتاج هذا الجزء من العالم إلى التأسيس للرشد والكفاءة السياسية، بما يجعل الناس في دائرة الأحداث وفي تفاصيلها، وليس آخر من يعلم.

[email protected]

مقالات ذات صلة

‫3 تعليقات

  1. لقد طغى الفساد على العباد.
    المصيبة التي يعاني منها الشارع الأردني ، ومنذ سنوات طويلة ، لا تتوقف على فساد جهة رسمية هنا ، أو جهة رسمية هناك ، بل على فساد كثير من الجهات الرسمية ، وما تحمل وراءها من إغراءات ومغريات…. وحين تكون وظيفة مجلس النواب ، والذي من المفترض أن يمثل هموم الشارع على سبيل المثال لا الحصر ، لا يستطيع حل كثير من المشاكل والعقبات المتراكمة التي يعاني منها الوطن والمواطن من خلال مواجهة الحكومة ومؤسساتها الرسمية في حل تلك المشاكل والعقبات من فقر وبطالة وارتفاع أسعار و…. و…. و…. الخ …. فهل ننتظر من الحكومة عبر كافة مؤسساتها الرسمية أن تقوم مقام مجلس النواب في تمثيل هموم الشارع ، وحل الكثير من تلك المشاكل والعقبات التي يعاني منها الوطن والمواطن.

  2. مراقب عام للدولة
    د. باسم الطويسي ، حقيقةً أنا من المتابعين لمقالاتك القيمة ؛ والتي تطرح مواضيع مختلفة ومتنوعة وذات أهمية ؛ على الرغم أني مقل في التعليق على مواضيعك الشيقة والمهمة والمميزة ؛ هذا مع أنَّ معظمها يستحق التداخل والتعالق معها ! أشدد على اقتراح كنت قد عرضته في أحد تعليقاتي على أحد مقالاتك السالفة ، وهو ضرورة وجود " مراقب عام للدولة " يراقب جميع الأجهزة الحكومية وشاغلي مراكزها ووظائفها وكل من يضطلع بمسؤلية فيها . مراقب عام يكون محصن ومحمي سياسياً وقانونياً ودستورياً ، ( مراقب عام ) تكون له اليد الطولى في المراقبة والمسائلة والتأشير على التجاوزات التي تقوم بها أي إدارة أو مسؤول حكومي ، مراقب عام للدولة ، يراقب السلطات الثلاث جميعها : تنفيذية كانت أم تشريعية أو قضائية . ويسهر على عدم تغول سلطة على سلطة وعدم سلب الولاية والمسؤولية من سلطة لحساب سلطة أو جهة أخرى في الدولة . فكرة المراقب العام للدولة معمول بها في دول عديدة ؛ حتى في دولة غير شرعية ومارقة كالكيان الصهيوني المحتل . مراقب عام يرعى تطبيق القاعدة الإدارية والقانونية ( المسؤولية والمسائلة أو المحاسبة ) بمعنى ، من يتقلد المسؤولية يكون عُرضةً للمسائلة والمحاسبة ، بمقتضى هذه المسؤولية التي شغلها إن أخل بمتطلباتها أو أساء إتمانها . مراقب عام للدولة يراقب جميع الإدارات و المسؤولين ويراقب حتى على أجهزة الرقابة !

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock