ترجمات

معايير مزدوجة في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة

ترجمة: علاء الدين أبو زينة
ألفريد زاياس* – (كاونتربنش) 17/5/2022

ليس سراً أن مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة يخدم بشكل أساسي مصالح الدول الغربية المتقدمة، وليس لديه نهج شامل تجاه جميع حقوق الإنسان، وفيه الابتزاز والبلطجة ممارستان شائعتان، وقد أثبتت الولايات المتحدة أن لديها “قوة ناعمة” كافية لإقناع الدول الأضعف بما تريد. ولا داعي للتهديد في القاعة أو في الممرات؛ يكفي اتصال هاتفي من السفير. ويتم تهديد الدول بالعقوبات -أو ما هو أسوأ- كما علمتُ من الدبلوماسيين الأفارقة. وبطبيعة الحال، إذا تخلى هؤلاء عن وهم السيادة، فإنهم يكافأون بأن يطلق عليهم لقب “ديمقراطيون”. ولا تستطيع سوى القوى الكبرى فقط أن تكون لها آراؤها الخاصة وأن تصوت وفقاً لها.
في العام 2006، تم إلغاء “لجنة حقوق الإنسان”، التي كانت قد أُنشئت في العام 1946، وتبنت الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعديد من معاهدات حقوق الإنسان الأخرى، وأنشأت نظامَ المقرِّرين. وفي ذلك الوقت، كنت من بين الذين فوجئوا بمنطق الجمعية العامة للأمم المتحدة، لأن السبب المقدم لحل الجمعية كان وقوع الهيئة في فخ “التسييس”. وقد ضغطت الولايات المتحدة بلا كلل من أجل إنشاء لجنة أصغر تتألف فقط من الدول التي تحترم حقوق الإنسان، ويمكنها إصدار أحكام على البقية. وكما حدث، قامت الجمعية العامة بإنشاء هيئة جديدة من 47 دولة عضو، هي “مجلس حقوق الإنسان”، الذي يتسم، كما سيؤكد أي مراقب، بأنه أكثر تسييسًا وأقل موضوعية من سلفه السيئ.
كانت الجلسة الخاصة لمجلس حقوق الإنسان، التي عُقدت في جنيف يوم الخميس، 12 أيار (مايو)، بشأن حرب أوكرانيا، حدثًا مزعجاً بشكل خاص، شابته تصريحات معادية للأجانب تنتهك المادة 20 من “العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية”. وقد استخدم المتحدثون نبرة خبيثة لشيطنة روسيا وبوتين بينما تجاهلوا جرائم الحرب التي ارتكبتها أوكرانيا منذ العام 2014، ومذبحة أوديسا، والقصف الأوكراني المستمر على مدى 8 سنوات للسكان المدنيين في دونيتسك ولوغانسك… إلخ.
تكشف مراجعة سريعة لتقارير “منظمة الأمن والتعاون في أوروبا” ابتداءً من شباط (فبراير) 2022 عن الكثير. وقد سجل تقرير 15 شباط (فبراير) الصادر عن بعثة المراقبة الخاصة التابعة لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا إلى أوكرانيا حوالي 41 انفجارًا في مناطق وقف إطلاق النار. وارتفع هذا العدد إلى 76 انفجارًا في 16 شباط (فبراير)؛ و316 في 17 منه؛ و654 في 18 منه؛ و1.413 في 19 منه؛ وبإجمالي 2.026 في 20 و21 منه؛ و1.484 في 22 شباط (فبراير). وأظهرت تقارير بعثة منظمة الأمن والتعاون في أوروبا أن الغالبية العظمى من الانفجارات المؤثرة من قذائف المدفعية كانت على الجانب الانفصالي من خط وقف إطلاق النار. ويمكننا بسهولة إجراء مقارنة بين القصف الأوكراني لنهر دونباس وقصف صربيا للبوسنة وسراييفو. ولكن في ذلك الوقت، كانت الأجندة الجيوسياسية لحلف الناتو تفضل البوسنة، وهناك أيضًا انقسم العالم إلى أخيار وأشرار.
سوف يلاحظ أي مراقب مستقل الافتقار إلى التوازن الذي ظهر في المناقشات التي جرت في مجلس حقوق الإنسان يوم الخميس. ولكن، هل يفعل ذلك العديد من المفكرين المستقلين في صفوف يسار “صناعة حقوق الإنسان”؟ إن الضغط الذي يمارسه “التفكير الجماعي” هائل.
ليست فكرة تشكيل لجنة خاصة للتحقيق في جرائم الحرب التي تُرتكب في أوكرانيا فكرة سيئة بالضرورة. لكن أي لجنة من هذا القبيل يجب أن تكون مزودة بتفويض واسع يسمح لها بالتحقيق في جرائم الحرب التي يرتكبها جميع المتحاربين -الجنود الروس، وكذلك الجنود الأوكرانيون ونحو 20 ألف مرتزق قدموا من 52 دولة يقاتلون في الجانب الأوكراني. وبحسب قناة الجزيرة، فإن أكثر من نصفهم، 53.7 في المائة، يأتون من الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا، ويأتي 6.8 في المائة من ألمانيا. وسيكون من المبرر أيضًا منح تفويض للجنة للنظر في أنشطة 30 مختبراً بيولوجياً أميركيًا/ أوكرانيًا.
إن ما كان مسيئًا بشكل خاص في “مسرحية” 12 أيار (مايو) في المجلس هو أن الدول انخرطت في خطاب يتعارض مع الحق الإنساني في السلام (قرار الجمعية العامة 39/11)، والحق في الحياة (المادة 6 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية). لم تكن الأولوية تُعطى لإنقاذ الأرواح من خلال ابتكار طرق لتعزيز الحوار والتوصل إلى تسوية معقولة يكون من شأنها أن تؤدي إلى إنهاء الأعمال العدائية، وإنما كانت الأولوية تتعلق ببساطة بإدانة روسيا والاستشهاد بالقانون الجنائي الدولي -لإدانة روسيا حصريًا بطبيعة الحال. وفي الواقع، انخرط المتحدثون في الجلسة بشكل أساسي في “الاتهام والتشهير”، ومعظمه من دون أدلة، لأن العديد من الادعاءات لم تكن مدعومة بحقائق ملموسة تستحق المحاكمة. واعتمد المتهِمون أيضًا على مزاعم سبق لروسيا أن تناولتها ودحضتها. ولكن، كما نعلم من كلمات أغنية فرقة سايمون وغارفنكِل “الملاكم” -فإن “ثمة رجلاً يسمع ما يريد أن يسمع ويتجاهل الباقي”.
ينبغي أن يكون الغرض المحدد من إنشاء لجنة التحقيق هو جمع أدلة يمكن التحقق منها من جميع الأطراف، وسماع أكبر عدد ممكن من الشهود. ولسوء الحظ، لا يبشر القرار المقترح في 12 أيار (مايو) بالخير للسلام والمصالحة لأنه متحيز بطريقة مؤسفة. ولهذا السبب بالذات، تخلت الصين عن ممارستها المتمثلة في الامتناع عن التصويت على مثل هذه القرارات وذهبت إلى التصويت ضد القرار. ومن الجدير بالثناء أن كبير الدبلوماسيين الصينيين في مكتب الأمم المتحدة في جنيف، تشين شو، تحدث عن محاولة التوسط في إحلال السلام والدعوة إلى وضع هيكل أمني عالمي. وأعرب عن أسفه قائلاً: “لقد لاحظنا أن التسييس والمواجهة في (المجلس) قد تصاعدت في السنوات الأخيرة، الأمر الذي أثر بشدة على مصداقيته وحياده وعلى التضامن الدولي”.
كان الأكثر أهمية بكثير من ممارسة جنيف الطقوسية التي تلخصت في تقريع روسيا والنفاق المذهل الذي انطوى عليه القرار هو اجتماع آخر للأمم المتحدة، هذه المرة في مجلس الأمن في نيويورك يوم الخميس، 12 أيار (مايو)، حيث جادل نائب السفير الصيني لدى الأمم المتحدة، داي بينغ، بأن العقوبات المفروضة على روسيا سوف تأتي بنتائج عكسية بالتأكيد: “لن تجلب العقوبات السلام، ولكنها ستؤدي فقط إلى تسريع انتشار الأزمة، مما يؤدي إلى أزمات غذاء وطاقة وأزمة مالية واسعة النطاق في جميع أنحاء العالم”.
في مجلس الأمن أيضاً، يوم الجمعة، 13 أيار (مايو)، قدم ممثل روسيا الدائم لدى الأمم المتحدة، فاسيلي نيبينزيا، أدلة توثق الأنشطة الخطيرة لحوالي 30 مختبرًا بيولوجيًا أميركيًا في أوكرانيا. وأشار إلى اتفاقية الأسلحة البيولوجية والسامة للعام 1975، وأعرب عن القلق من المخاطر الهائلة التي تنطوي عليها التجارب البيولوجية التي أجريت في مختبرات الحرب الأميركية، مثل “فورت ديتريك” بولاية ماريلاند.
وأشار نيبينزيا إلى أن المختبرات البيولوجية الأوكرانية تخضع لإشراف مباشر من وكالة الحد من التهديدات الدفاعية الأميركية، في خدمة “المركز الوطني للاستخبارات الطبية” التابع للبنتاغون. وأكد أنه قد تم نقل أكثر من 140 حاوية بها طفيليات خارجية للخفافيش من مختبر بيولوجي في خاركوف إلى خارج البلاد، في غياب أي رقابة دولية. ومن الواضح أن هناك دائمًا خطر تعرض مسببات الأمراض للسرقة لأغراض إرهابية أو لبيعها في السوق السوداء. وتُظهر الأدلة أنه تم إجراء تجارب خطيرة منذ العام 2014، في أعقاب الانقلاب المنسق الذي رعاه الغرب ضد رئيس أوكرانيا المنتخب ديمقراطياً، فيكتور يانوكوفيتش.
ويبدو أن برنامج الولايات المتحدة تسبب في زيادة حالات عدوى خطيرة ذات صلة بالاقتصاد في أوكرانيا. وقال نيبينزيا: “توجد أدلة على أنه في خاركوف، حيث يقع أحد المختبرات، توفي 20 جنديًا أوكرانيًا بسبب إنفلونزا الخنازير في كانون الثاني (يناير) 2016، وتم نقل 200 آخرين إلى المستشفى. وإلى جانب ذلك، تحدث حالات لتفشي حمى الخنازير الأفريقية بانتظام في أوكرانيا. وفي العام 2019، انتشر مرض كانت له أعراض مشابهة للطاعون”.
ووفقًا لتقارير وزارة الدفاع الروسية، طلبت الولايات المتحدة من كييف تدمير مسببات الأمراض والتستر على جميع آثار البحث حتى لا يحصل الجانب الروسي على أدلة تثبت انتهاكات أوكرانيا والولايات المتحدة للمادة 1 من اتفاقية الأسلحة البيولوجية والسامة. واستجابة لذلك، سارعت أوكرانيا إلى إغلاق جميع البرامج البيولوجية، وأمرت وزارة الصحة الأوكرانية بإزالة العوامل البيولوجية المودعة في المختبرات البيولوجية اعتبارًا من 24 شباط (فبراير) 2022.
وأشار السفير نيبينزيا إلى أنه أثناء جلسة استماع في الكونغرس الأميركي في 8 آذار (مارس)، أكدت وكيلة وزارة الخارجية الأميركية، فيكتوريا نولاند، وجود مختبرات بيولوجية في أوكرانيا حيث تم إجراء أبحاث بيولوجية للأغراض العسكرية، وأنه من الضروري أن لا تسقط مرافق الأبحاث البيولوجية هذه في أيدي القوات الروسية”.
في الأثناء، رفضت سفيرة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، ليندا توماس غرينفيلد، الأدلة الروسية، واصفة إياها بأنها “دعاية”، وألمحت بلا مبرر إلى تقرير منظمة حظر الأسلحة الكيميائية المشكوك فيه عن الاستخدام المزعوم للأسلحة الكيماوية في دوما من قبل الرئيس السوري بشار الأسد، محاولة أن تؤسس بذلك لنوع من الذنب بالتبعية.
بل إن الأكثر مدعاة للرثاء هو البيان الذي أدلت به سفيرة المملكة المتحدة باربرا وودوارد، ووصفت فيه مخاوف روسيا بأنها “سلسلة من نظريات المؤامرة الجامحة التي لا أساس لها من الصحة وغير المسؤولة”.
في جلسة مجلس الأمن تلك، حث السفير الصيني، داي بينغ، الدول التي تحتفظ بأسلحة دمار شامل، بما في ذلك الأسلحة البيولوجية والكيميائية، على تدمير مخزوناتها: “نحن نعارض بشدة تطوير وتخزين واستخدام الأسلحة البيولوجية والكيميائية من قبل أي دولة وتحت أي ظرف من الظروف، ونحث البلدان التي لم تدمر بعد مخزوناتها من الأسلحة البيولوجية والكيميائية بعد على القيام بذلك في أقرب وقت ممكن. يجب أن يكون أي أثر لمعلومات عن نشاط عسكري بيولوجي مصدر قلق كبير للمجتمع الدولي”. ودعت الصين جميع الأطراف المعنية إلى الرد على الأسئلة ذات الصلة في الوقت المناسب، وتقديم توضيحات شاملة لتبديد الشكوك المشروعة للمجتمع الدولي.
وكما هو مفترض، سوف تعطي وسائل الإعلام الرئيسية رؤية وفيرة لتصريحات الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وتتجاهل صراحة الأدلة التي قدمتها مقترحات روسيا والصين.
وهناك المزيد من الأخبار السيئة عن السلام والتنمية المستدامة. ثمة أخبار سيئة عن نزع السلاح، ولا سيما نزع السلاح النووي؛ وأخبار سيئة عن زيادة الميزانيات العسكرية باستمرار وإهدار الموارد على سباق التسلح والحرب. وقد علمنا للتو عن محاولة فنلندا والسويد الانضمام إلى الناتو. هل تدركان أنهما تنضمان في الحقيقة إلى ما يمكن اعتباره “منظمة إجرامية” لأغراض المادة 9 من النظام الأساسي لمحكمة نورمبرغ؟ هل هما مدركتان لحقيقة أن الناتو ارتكب خلال الثلاثين عاما الماضية جرائم عدوان وجرائم حرب في يوغوسلافيا وأفغانستان والعراق وليبيا وسورية؟ بطبيعة الحال، تمتع الناتو حتى الآن بالحصانة والإفلات من العقاب. لكن “الإفلات من العقاب” لا يجعل مثل هذه الجرائم أقل إجراماً.
في حين أن مصداقية مجلس حقوق الإنسان لم تمت بعد، يجب أن نعترف بأنه أصيب بجروح خطيرة. وللأسف، لم يكسب مجلس الأمن أي أمجاد أيضًا. كان كلاهما ساحتي مصارعة حيث تحاول البلدان تسجيل النقاط فقط. فهل تتطور هاتان المؤسستان إلى منتديات حضارية للنقاش البناء حول مسائل الحرب والسلام وحقوق الإنسان، وبقاء البشرية نفسه؟

*ألفريد دي زياس Alfred de Zayas: هو أستاذ القانون في كلية جنيف للدبلوماسية. شغل منصب خبير الأمم المتحدة المستقل في النظام الدولي 2012-18. وهو مؤلف لعشرة كتب من بينها “بناء نظام عالمي عادل” Building a Just World Order (مطبعة كلاريتي)، 2021.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Double-Standards at the UN Human Rights Council

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock