أفكار ومواقف

معجزات وأحلام نرجسية

“حدثوا الناس بما يعرفون. أتحبون أن يكذب الله ورسوله” علي بن أبي طالب
عندما ينتقل السلوك الديني من علاقة عمودية ثنائية أو حالة فردية داخلية وخاصة لا يكاد يعلم أو يحس بها أحد سوى صاحبها إلى علاقات أفقية بين الناس أو فائض من السلوك العلني والممارسات التي تسعى لإعلام أو مشاركة عدد كبير من الآخرين سواء بالكتابة او التواصل الشخصي أو محاولة التأثير أو الممارسات العامة والعلنية المنظمة والعفوية الفردية والجماعية؛ يتغير الخطاب الديني أو يعاد إنتاجه ورسالته ودوره بعيدا عن فكرته الأصلية المنشئة، فهو يحلّ في لغتنا الإنسانية وتجاربنا وحالتنا الحضارية والاجتماعية، ويحمّل بطبيعة الحال بوعود وآمال وأهداف وأهواء مختلفة، لا يعود الدين نفسه وإن كان مستمدا منه لكنه قد يتحول إلى خطاب مناقض لجوهر الدين أو خطاب لا يحتمله الدين؛ الشفاء من الأمراض أو التقدم الاقتصادي والاجتماعي أو التحرير والوحدة والمقاومة أو التنظيم السياسي والجماهيري، أو حلول المشاكل الاقتصادية والأسرية والاجتماعية والجرائم والتضخم والمديونية والشعور بالتعاسة والوحدة،… ويتحول الخطاب نفسه إلى منظومة جديدة من الأفكار والغموض ليس دينا ولا نظاما فرديا او اجتماعيا للنجاح والتقدم والسعادة.
إن الغايات النبيلة تتحول إلى فساد إن لم تكن واقعية، والعكس صحيح أيضا فإن الإدراك الواقعي والعملي يحول الخطاب إلى علم نبيل؛ السحر مثلا بدأ علما وتجارب كيميائية وطبيعية، تحولت الى السحر والشعوذة عندما حمّلت فئة من الناس  الكيمياء والعلوم وعودا باستخراج الذهب من المعادن المتاحة، وقراءة الابراج والحظ بدأت دراسة في علم الفلك والحياة، تحولت الى الغموض عندما حملت العلوم بوعود قراءة المستقبل والإحاطة بالغيب. وفي المقابل فإن الطب بدأ بالسحر والشعوذة والحجب والطلاسم لكن غاياته النبيلة والواقعية حولته إلى علم وتجارب متقدمة.
هذا الفيض الديني والتدفق من الفضاء الداخلي والخاص إلى العام يؤشر إلى أزمة نفسية أو اجتماعية، فشل او تقصير او تعاسة أو جريمة أو تجربة سيئة أو مشكلات نفسية أو اجتماعية أو أسرية، أو تحديات اقتصادية أو مهنية، نزعة إلى التسلط أو الإساءة أو الكسل او عدم بذل الجهد او التبسيط، هروب من المواجهة مع الذات أو المشكلة، عجز عن الفهم والادراك أو تمييز المشكلات والمخاطر، الخوف أو الشعور بالتهديد، .. ولا بأس في ذلك. لكن على سبيل المواجهة الحقيقية مع الأزمة أو اكتشافها وتمييزها وليس الهروب منها…
يشبه ذلك على سبيل المثال الانشغال بالألعاب الالكترونية أو شبكات التواصل في غمرة أعمال تتطلب تركيزا ومجهودا ذهنيا ونفسيا وتحضيرا طويلا ومعقدا، يمكن ان يكون ذلك جيدا لمدة دقائق قليلة بين ساعات العمل ولكن حين يصرف عن الانجاز الحقيقي يتحول إلى فشل أو مرض.
وعودة إلى مبتدأ المقالة بما رواه البخاري عن علي ابن ابي طالب فإن المعرفة ليست فقط العلم بالشيء أو ضد الجهل (والجهل أيضا ليس دائما نقص المعرفة) ولكنها تأتي أيضا بمعنى الاحترام والالتزام والمبادئ والقواعد المتبعة، على سبيل المثال الأمر بالمعروف، وفي التوراة أن آدم عرف حواء فولدت قايين.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock