صحافة عبرية

معركة الروايات حول مقتل أبو عاقلة

هآرتس
بقلم: عاموس هرئيل 13/5/2022
على الفور بعد موت شيرين أبو عاقلة في جنين، الأربعاء الماضي، بدأت القيادة الإسرائيلية والمتحدثون الإسرائيليون رقصة التوارع الأخلاقي. شخصيات رفيعة في الدعاية وعدد من الصحفيين المتطوعين سارعوا الى نشر الاتهامات والإشارات بشأن المسؤولية عن الحادث المأساوي. وقد قيل إن الفلسطينيين هم المسؤولون عن موت مراسلة “الجزيرة” بسبب المقاومة التي تضطر الجيش الإسرائيلي الى الدخول الى عمق الضفة الغربية. هم يتحملون أيضا وزر إطلاق النار نفسه لأن الجيش الإسرائيلي يطلق النار بصورة منظمة ومتحكم فيها، في الوقت الذي فيه المسلحون الفلسطينيون معتادون على إطلاق صليات دون وجود هدف محدد. وكان هناك من ذهبوا الى أبعد من ذلك واتهموا أبو عاقلة نفسها بموتها. فهي تعمل في الدعاية بأجر تحصل عليه من الأعداء، قالوا. ومنذ اللحظة التي اختارت فيها الدخول الى منطقة قتال فقد وضعت دمها على كفها.
في خضم المعركة على الرواية تم أيضا نشر أمور مختلقة. ففي إسرائيل قالوا إن الفلسطينيين سارعوا إلى دفن الجثة بعد الحادثة على الفور من أجل منع تشريحها. وقيل أيضا إن إسرائيل توجهت للسلطة الفلسطينية باقتراح إجراء تحقيق مشترك وتم الرد عليها بالسلب. فعليا، الجنازة (جرت أول من أمس) وطلب إسرائيل من السلطة نقلها فقط بعد بضع ساعات على الإعلان عنها في وسائل الإعلام. هذه كانت دائرة كذب صاخبة غذت نفسها وتردد صداها بحماس في الساحة السياسية. الهجوم الإعلامي المضاد تم تخفيفه في نهاية المطاف. بعد الظهر إسرائيل انسحبت بشكل تكتيكي. وفي الجيش وافقوا على الاعتراف مع ذلك بأنه ربما نار إسرائيلية هي التي قتلت المراسلة المخضرمة. المتحدث بلسان الجيش نشر فيلما وعد فيه رئيس الأركان، افيف كوخافي، بإجراء فحص جذري وعبر عن الأسف على موت أبو عاقلة. وحتى المساء كان قائد المنطقة الوسطى، يهودا فوكس، قد ذهب لإجراء مقابلات في قنوات التلفزيون وقال بصورة تستحق التقدير ما كان يجب قوله في الصباح. أنا كممثل للجيش الإسرائيلي مسؤول عن كل ما يحدث في المنطقة. هذه ليست النتيجة التي أردناها. نحن سنفحص من أجل أن نعرف إذا كانت المراسلة قتلت بنار قواتنا “بالخطأ”.
هكذا، بعد بضع ساعات التوارع تلاشى. فبدلا من الغضب المقدس على العالم المنافق الذي ينكل بجنودنا عبر الجيش عن استعداده لفحص الحقائق كما هي. وقد أسهمت في ذلك بلا شك حقيقة أنه تبين فجأة بأن أبو عاقلة تحمل الجنسية الأميركية. وفي الوقت نفسه بدأت تتدفق البيانات، وقد تبين منها أن جنود وحدة المستعربين “دفدفان”، التي جاءت لاعتقال مطلوب من الجهاد الإسلامي، كانوا على بعد 100-150 مترا عن المكان الذي أطلقت منه النار على المراسلة. نارهم في الواقع كانت محدودة ومركزة نحو الجنوب، في الوقت الذي كانت فيه أبو عاقلة توجد شمال الجنود. ولكن مرة أخرى لم يكن بالإمكان بشكل مؤكد نفي إمكانية أن النار الإسرائيلية هي التي أدت الى موتها.
في الساحة الدولية إسرائيل لا يمكنها الخروج من حدث كهذا وهي منتصرة. التعاطف الدولي يقف بشكل تلقائي الى جانب الضعيف، بالتأكيد عندما تكون الضحية صحفية معروفة وليس لها أي صلة بنشاطات مسلحة. وحتى الآن هناك ظروف مخففة. صحفيون يقتلون في أماكن كثيرة تحدث فيها نزاعات مسلحة، من العراق وأفغانستان وحتى أوكرانيا مؤخرا. ساحة العملية في جنين كانت مكتظة وعنيفة ومشبعة بإطلاق النار. من الصعب تقديم احتجاج ضد الجنود أثناء تبادل إطلاق النار إذا أصابوا بصورة غير متعمدة مواطنة صادف وجودها في هذا المكان. على الأقل في الطرف الإسرائيلي قلائل جدا سيشكون في أنه في هذه الحالة كان هناك إطلاق نار متعمد على الصحفية من قبل جنود وحدة مختارة. ربما سيتبين أنه كان هناك خلل عملياتي؛ وهناك شك كبير إذا كان ذلك قد جاء من عمل متعمد.
في هذه الأثناء السلطة الفلسطينية قامت بتعقيد الوضع. فقد تم إخراج رصاصة بقطر 5.56 ملم من جثة أبو عاقلة التي أصابت رأسها وقتلتها. هذه ذخيرة تستخدم في بندقية “إم16” وهو السلاح المتطور لجنود وحدة دفدفان. ولكنه موجود أيضا قيد الاستخدام في أيدي مسلحين فلسطينيين، مثلما يظهر في الأفلام التي تم تصويرها في ذاك الصباح في المخيم. إسرائيل طلبت أن يتم نقل الرصاصة إليها من أجل القيام بفحصها ومقارنتها بالسلاح الذي يوجد في حوزة الجنود. وقد قيل إن الفحص سيجري بحضور خبراء من السلطة ومن الولايات المتحدة، لكن السلطة رفضت أول من أمس نقل الرصاصة بذريعة أنها لا تريد شراكة مع الاحتلال. رجال الدعاية في إسرائيل وجدت لهم أخيرا الحجة الرابحة.
ليس لأن هذه الحجة ستقلق المجتمع الدولي، قبل أن يعود الى التركيز على أوكرانيا وغيرها من الساحات. قضية موت أبو عاقلة يمكن أن تتطور الى نسخة جديدة من موت الطفل محمد الدرة في أيلول (سبتمبر) 2000. في اليوم الثاني للانتفاضة الثانية، الدرة أطلقت عليه النار وقتل في تبادل لإطلاق النار في مفترق نتساريم في غزة. وحتى الآن يتجادل الأطراف حول الذي أصابه. من دون تشريح لجثة الصحفية ومن دون فحص بالستي، فمن المرجح أن هذه القصة ستكرر نفقطاع سها. إذا لم تجبر الإدارة الأميركية الفلسطينيين على التراجع وتسليم الرصاصة فإن الحقيقة لن تتضح والغضب على موتها سيستخدم جزئيا كوقود يغذي نار الصراع.
وعي المواجهة
تقريبا مرت ثمانية أسابيع منذ بداية موجة المقاومة الحالية. ورغم أن تواتر الأحداث غير مرتفع بشكل خاص، وكما قلنا لا يجر وراءه الجمهور الفلسطيني، إلا أنه يكفي ما حدث من أجل الحفاظ على وعي ثابت للمواجهة. عملية مدينة العاد في منتهى عيد الاستقلال أشعلت الذعر في أوساط الجمهور الإسرائيلي، في حين أن موت أبو عاقلة تحول الى حدث وطني فلسطيني. أيضا إذا سجل بين حين وآخر هدوء نسبي لبضعة أيام، فإنه واضح للجميع بأنه يكفي حادث واحد لإشعال النار من جديد. في الخلفية بقي موعدان حساسان في هذا الشهر؛ يوم النكبة الفلسطيني الذي يصادف يوم غد ويوم القدس الإسرائيلي الذي تواكبه مسيرة الأعلام في البلدة القديمة في القدس بعد أسبوعين بالضبط من ذلك.
الحرم بقي المحرك الرئيسي الذي حوله يندلع العنف. وصول المصلين المسلمين الى الحرم في الحقيقة تقلص عند انتهاء شهر رمضان، لكن الخوف من مؤامرة سيطرة إسرائيلية على الحرم ما تزال تعشعش، بالأساس في الشبكات الاجتماعية. المقاومون الذين عملوا في العاد قالوا في التحقيق معهم إنهم ذهبوا للقتل من أجل الدفاع عن الحرم. بالنسبة لهم في القدس تجري حرب دينية، وهذه هي المشاعر التي تظهر في جزء من الوصايا التي تركها وراءهم منفذو عمليات أخرى في الفترة الأخيرة.
معظم المقاومين في الفترة الأخيرة جاؤوا من الضفة. وهناك أيضا تتركز نشاطات الجيش الإسرائيلي التي تشمل أيضا عمليات اعتقال لتجار سلاح. تحريض حماس من قطاع غزة يلعب دورا في التصعيد، لكن الاستخبارات تواصل الادعاء بأن الجزء العملي لحماس في الأحداث متدن وأنه في معظم الحالات الحديث يدور عن مبادرات مستقلة لذئاب منفردة أو خلايا محلية.
خط التماس بقي نقطة ضعف أساسية تجد إسرائيل صعوبة في إغلاقها. فعليا تحدث هنا انعطافة تامة في السياسة خلال فترة قصيرة جدا. طوال سنوات جهاز الأمن غض النظر عن عبور عشرات آلاف الفلسطينيين عبر ثغرات في جدار الفصل، ولم تقم بأي جهد لمنع ذلك. عندما تجددت العمليات تم تحويل الموارد المتاحة والرخيصة جدا لمعالجة ذلك وهي الوحدات النظامية. تسع كتائب ونصف من الكتائب النظامية تم إرسالها لإغلاق هذه المنطقة في الوقت الذي كانت فيه قوات أخرى منشغلة في عمليات الاعتقال في عمق المنطقة.
الانتشار الارتجالي مقترن بمشكلات كثيرة. وكما نشر في هذا الأسبوع الصحفي يوآف زيتون في موقع “واي نت” فإن هناك أماكن فيها جنود يحرسون وهم يجلسون على الكراسي البلاستيكية من دون وسائل الحماية المطلوبة مثل موقع محصن لوقوف الجندي فيه أو لوجستية مناسبة. في جزء من الحالات قوات الجيش الإسرائيلي توجد في موقع طبوغرافي متدن، حيث القوات توجد هناك لأسابيع كثيرة، وفي هذه الحالة يحدث تآكل ومعه ضعف يغمز للعدو. يكفي تذكر هجمات الفلسطينيين القاتلة على حواجز الجيش الإسرائيلي في الضفة في ذروة الانتفاضة الثانية. الضباط الكبار الذين سئلوا عن ذلك في هذا الأسبوع في أعقاب شكاوى لعائلات الجنود، التي وصلت الى الصحيفة، أجابوا بأن المشكلة معروفة وأن الجيش يحاول التغلب عليها عن طريق تحسين الحماية وتسريع نشر وسائل الرقابة. ولكن هذه بقيت نقطة ضعف يمكن أن تكلفنا مصابين.
أيضا من ناحية بيروقراطية، الجهاز ما يزال غير جاهز للتعامل مع المنظومة المتشعبة لتهريب العمال الفلسطينيين الذين ليس لديهم تصاريح عمل (مقيمين غير قانونيين) الى داخل الخط الأخضر. بعد العملية في العاد تبين أن المقاومين جاءا الى المدينة في سيارة مقاول نقل والذي كان ضحيتهما الأولى. في الشرطة قالوا إن مصادرة السيارات التي تم ضبطها وهي تهرب العمال غير ناجعة. يتبين أن الساحة التي تحتفظ فيها الدولة بالسيارات المصادرة مليئة بالكامل. وكبديل فإن المخالفين للقانون يطلب منهم التوقيع على نموذج يلتزمون فيه بعدم استخدام السيارة لهذا الغرض. السيارة تبقى في هذه الأثناء في حوزتهم كأفضل تقاليد التحايل الإسرائيلي.
الرد على المقاومة تأثر من الغباء الكاسح الذي سيطر على النقاش في الشبكات الاجتماعية. حقيقة أن الحكومة الحالية تقف على أرجل واهية تجعلها حساسة بشكل خاص للضغوط الخارجية. مثال واضح على ذلك نجده حول العملية في العاد، في البداية المطالبة الفورية لتصفية رئيس حماس، يحيى السنوار، وبعد ذلك في النقاشات الصاخبة على طبيعة التعامل مع القاتلين عندما تم إلقاء القبض عليهما.
يتبين أن الحجر الذي ألقاه في البئر أحد المستشارين الاستراتيجيين، حتى خمسة ضباط لن يتمكنوا من إخراجه. فكرة تصفية السنوار طرحت في الشبكات الاجتماعية بعد بضع دقائق على العملية. السياق، كما يبدو، كان خطاب البلطات الذي ألقاه السنوار والذي دعا فيه الفلسطينيون والعرب في إسرائيل الى حمل السلاح والذهاب لتنفيذ عمليات. سرعان ما انزلق طلب التصفية من تويتر الى وسائل الإعلام الممأسسة ومن هناك وجدت أذن صاغية أيضا في المستوى السياسي.
في الجيش الإسرائيلي نظروا بدهشة. فليس فقط أنه في المنتديات المخولة بذلك لم يجر أي نقاش فعلي في عملية الاغتيال، لكن أيضا السنوار كسب بفضل التهديدات بتحسين فوري في مكانته. في نهاية المطاف إذا كان الإسرائيليون معنيين بتصفيته فإن هذا دليل على وجود مبرر لرؤيته يطالب بتاج القيادة الفلسطينية. يجب التذكير بأن كل ذلك يحدث في خلفية حساسية إسرائيلية متزايدة للمصابين. إذا كان الجمهور قد أظهر في فترة الانتفاضة قدرة مؤثرة على الصمود من خلال الإدراك بأنه يجب ألا نخلق لدى الخصم شعورا بالنجاح فإن الواقع الآن مختلف كليا. كل قتيل هو عالم بأكمله، لكن عملية لا يمكن أن ينظر اليها استراتيجيا كنهاية للعالم أو المشروع الصهيوني. هذه رسالة معقدة تجد الحكومة صعوبة في إيصالها للجمهور. وبهذا تقلص أكثر هامش مناورتها.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock