أفكار ومواقف

معركة الفساد وانتظار الخطوة القادمة

لا شك أن إلقاء القبض على المتهم الرئيس بقضية التبغ وجلبه من تركيا الأسبوع الماضي يعد إنجازا مهما للدولة وللحكومة في وقت حرج ، ولأن تراجع الثقة بجدية المؤسسات الرسمية في اجتثاث الفساد قد وصلت إلى درجة غير مسبوقة ؛ يبقى طيف واسع من الرأي العام مشككا وتنتابه الريبة ويتساءل بجدية هل ستفعلها الحكومة وتستكمل الشوط إلى آخره ، وهنا تتداعى إلى الخيال الشعبي قصص وأمثلة من الماضي القريب والبعيد تجعل هذا المطلب صعب المنال ، فيما يبدو لطيف آخر من الرأي العام أنه حتى وإن كانت الحكومة جادة ولدى بعض رموزها إرادة حقيقية فإن الفساد أكبر منهم وسوف يعيقهم عن المضي قدما بهذا النهج .
علينا أن نتفهم هذا المزاج الشعبي وأن ندرك خلفياته وكيف تشكل، وعلى الحكومة أن تدرك أن عليها أن تكسب معركة الثقة من باب حماية الصالح العام المتمثل في نفاذ القانون على الجميع ، وخوض معركة اجتثاث الفساد فهذه فرصتها ، ثمة حاجة إلى ضربات موجعة ومتتالية في العديد من الملفات المنتظرة والمؤجلة والأخرى التي تم ترحيلها من حكومات سابقة ، بدءا من قضية التبغ التي تشكلت لدى الناس شبكة متداخلة ومعقدة من التوقعات حول الأسماء المتورطة وحول الكلف التي دفعتها البلاد جراء هذه الجرائم.
على مدى العقود الماضية لم تكن كل المعركة ضد الفساد نزيهة بالكامل. لكن بالرغم من تواضع النتائج في الكثير من الملفات التي فتحتها، إلا أن تلك المعركة وظفت أحيانا في تصفية الحسابات وفي صراع الإرادات داخل المؤسسات الرسمية وخارجها. بل أحيانا استُثمر حماس الناس والإعلام لاجتثاث الفساد وانتزاعه من جذوره، في افتعال ملفات فساد وهمية من أجل التغطية والتمويه، ما جعل الجهود الفعلية، أحيانا، بحاجة لأن تخوض معارك هنا وهناك أو أن يتم تمييع معركة الفساد وجعلها تفقد معناها الحقيقي .
واحدة من مفارقات مكافحة الفساد أننا لم ندرس بعد ديناميكية الدولة والمجتمع في التعاطي مع الأبعاد الاجتماعية والسياسية لهذه الظاهرة، بمعنى متى تتقدم الدولة ومتى تتراجع. فالدولة ساقت رؤوسا كبيرة كانت في مؤسسات أمنية ومؤسسات اقتصادية وسياسية، إلى ساحات القضاء، وبعضها إلى السجون. في حين تعثرت آليات الدولة في التصدي لمقاومة فاسدين في ملفات أخرى. وثمة صوت قوي لهذه المقاومة يجعل كلف مكافحة الفساد كبيرة. ولعل أحد الأمثلة على هذه الكلف ما نشهده في الإعلام. فهذا الأخير قد يتقاعس عن أداء دوره الرقابي في كشف الفاسدين، لكن المفارقة أن يسُتثمر بعضه ويتحول إلى أداة للإفساد.
من المفارقات الأخرى الأكثر قسوة أن المعالجات السريعة التي تأتي تحت الضغط وربما لمجرد إرضاء الرأي العام في أوقات الأزمات ، قد تكون كارثية إذا لم يبن عليها ، فقد ساعدت المعالجات السطحية في تحصين الفساد المؤسس داخل النخب وبعض المؤسسات ، وأخذت هذه الفئات بإبداء قدرة أكثر على التستر وعلى تغليف ممارستها تارة بأغطية قانونية هشة وتارة أخرى بخطابات الولاء والإنشاء السياسي ، حتى بات يخيل لطيف واسع من الرأي العام في بعض المراحل أن ثمة تنظيما سياسيا واقتصاديا يرعى الفساد .
وحتى لا يتم تضخيم حجم الفساد نحن بحاجة إلى تدفق مسؤول ودقيق للمعلومات يتمتع بالجرأة في توصيل رسائل واضحة للناس ويعيد تشكيل توقعات المجتمع بأن الدولة جادة هذه المرة بالمضي قدما ولديها إرادة بكسر ظهر الفساد وقطع الشوط بأكمله بإخراج ما في الأدراج من قضايا وملفات وفي إصلاح منظومة النزاهة الوطنية وتمكين هيئة النزاهة ومكافحة الفساد وبناء قدرات طواقمها ، وحماية المبلغين عن الفساد ومنح وسائل الإعلام المحترف المزيد من الحرية والسقوف لممارسة أدوار رقابية مسؤولة تسهم في ترشيد المساءلة المجتمعية فمعركة الفساد لا يمكن ان تتجزأ وكلما أجلت زادت كلفها وتحصن الفساد أكثر.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock