أفكار ومواقف

معركة “كلامية” أخرى تحت القبة!

بقليل من الحماسة كما يبدو، يتابع الأردنيون، او بالأحرى من يهتم منهم بمتابعة الأخبار العامة، المعركة “الكلامية” المندلعة رحاها بين الحكومة ورئيسها من جهة والنواب ورئيسهم من جهة اخرى، على خلفية ما فجرته قضية التعيينات الاخيرة لموظفين “محظوظين” من ابناء واقارب ومعارف نواب على كادر مجلسهم، بصورة تخالف القانون ومبدأي العدالة والشفافية بالتعيينات!
وقد تكون قلة الحماسة من قبل المواطنين المتابعين للمعركة النيابية الحكومية، في الشوط الاخير من عمر مجلس النواب، الذي يقف اليوم على تخوم الرحيل، وهو رحيل مرتبط ايضا وبصورة ما برحيل الحكومة ذاتها، قد تعود قلة الحماسة الى انطحان أغلب الناس تحت هموم اكبر من معارك سياسية ومناكفات بين نواب وحكومة. وربما تعود ايضا الى ان اغلب الناس “نافضة إيديها” من الطرفين، الحكومة والنواب، في ظل تراجع المستويات المعيشية وتزايد الأعباء الاقتصادية والمعيشية، واتساع رقعتي البطالة والفقر، وارتفاع الاسعار وتآكل الدخول، وفي ظل انحدار مستوى الثقة الشعبية بالحكومات وبالنواب.
قصة التعيينات الـ109 الاخيرة، التي خاض النواب معركة كبيرة لتمريرها، تذكرنا بقرار سابق لمجلس النواب العتيد ذاته، عندما جاء هو والحكومة ليشكوا قبل سنوات من تضخم الجهاز الاداري في المجلس، جراء مئات التعيينات من قبل نواب وأعيان على كادر المجلس، وبصورة ملتوية، فكان الحل والتخريجة يومها بتوزيع مئات موظفي البرلمان، بعد أن باتوا أمرا واقعا، على وزارات ومؤسسات رسمية مختلفة، وبالقفز عن جداول ديوان الخدمة المدنية، وعشرات آلاف الأردنيين الذين ينتظرون دورهم منذ سنوات.
في هذا السياق، ربما كانت سيئات الحكومة أكثر من أن تعد، لكن للإنصاف فإنها سعت مبكرا، وأمام عدم قدرة الجهاز الحكومي على تحمل مزيد من التعيينات الفاسدة في ظل تنامي عجز الموازنة وتضخم الجهاز الحكومي، إلى ربط كل تعيينات الوزارات والمؤسسات الحكومية والبلديات والجامعات، بديوان الخدمة المدنية، وبنظام مركزي يصعب اختراقه. وعلى حد علمنا، فإن هذا النظام الجديد للتعيينات لم يخرق رسميا على الأقل خلال العامين الماضيين، ليأتي الخرق اخيرا من قبل النواب، وبعد ممانعة حكومية لم تصمد طويلا!
السيناريو المتوقع للتعيينات الجديدة في “النواب”، والتي يبدو أن النواب ضغطوا لتحقيقها قبل الرحيل المرتقب للمجلس، سيكون على غرار مئات التعيينات السابقة، أي أن يكون التعيين في البرلمان مجرد محطة، ينتقل بعدها الموظفون، أو المحظوظون منهم، الى وزارات ومؤسسات رسمية أخرى، تكون اكثر “بريستيجا” وابهة!
المشكلة الآن، أن المعركة الكلامية التي تدور رحاها بين الحكومة والنواب، قد تجد طريقها لحلول توفيقية، عبر فتح بعض خطوط الاتصال الخلفية، بين الطرفين، وربما بما يضمن تمرير بعض المنافع الانتخابية الأخرى لنواب، كما اعتدنا طويلا! لتبقى قضية التعيينات غير الشفافة، الحالية والسابقة وربما اللاحقة، من دون حساب او مراجعة قانونية، باعتبارها باتت حقا مكتسبا، وعلى قاعدة “عفا الله عما سلف”.
لكل ما سبق، قد تكون قلة حماسة الرأي العام في المتابعة والتفاعل مع المعركة الدائرة بين الحكومة والنواب، امرا مفهوما ومبررا، فالمعارك “الكلامية”، التي يصعب علينا وصفها بـ”المعارك السياسية”، هي تلك التي لا تنتج تجويدا للعمل السياسي، وهي التي يمكن احتواؤها سريعا باللجوء الى بعض الاليات، وهي تلك التي تنحرف سريعا الى الشخصنة ونظام الفزعة، واحيانا، الى رفع الصوت أكثر لزيادة المكاسب والمنافع الشخصية والضيقة!
في مثل هذه المحطات، يثبت لنا جميعا أن الخلل الرئيسي، الذي يشوه الحياة السياسية الأردنية، ويشوه العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، هو في آلية تعيين الحكومات، وأيضا في قوانين الانتخاب القاصرة التي حرص عرّابوها دائما على أن تفرز مجالس نيابية غير كفؤة ولا مسيسة، تعتمد النائب الفردي، بعيدا عن البرامج والتكتلات السياسية، لذلك فإن الحل قد يكون بالبدء بمعالجة هذا التشوه الأساسي، لئلا نستمر ندور في حلقة لا تنتهي من المعارك “الكلامية”.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock