أفكار ومواقف

معسكر التشاؤم

سميح المعايطة

تشكو الدولة من داء التشاؤم والسوداوية، وفي خطبة العرش قبل يومين أشار الملك بوضوح إلى هذه المشكلة مؤكدا أن الدولة لا يبنها المتشائمون.

ومعسكر التشاؤم والسوداوية ليس واحدا، فهناك من ينطلق من استعراض سياسي أو عدم إيمان بالدولة ولا يترك فرصة للتقليل من شأن الأردن والأردنيين، ورسم صورة بائسة للأردن وأنه بلد بلا إنجاز ودون أي مسار ناجح أو بناء لمؤسساته وإنسانه، وأنه بلد لا يصلح للحياة وليس فيه ما يستحق من الأردني أن يبقى فيه يوما واحدا.

وهذا الصنف ليست دوافعه أوضاع اقتصادية أو سياسية أو مستوى خدمات بل يستخدم أي نقطة ضعف أو وضع صعب يمر به البلد حتى يعطي لنفسه تبريرات في الحديث وتصغير شأن الأردن، لكن منطلقاته ودوافعه لها شكل آخر ملخصها أنه لا يؤمن بالبلد ولا يتمنى لها الخير، وهؤلاء هم من يقصدهم الملك، وهم الذين يرون الأردن بلد شياطين ليس فيه مخلص ولا خير وأنه بلد عديم الإنجاز.

وهناك متشائمون من المؤمنين بالبلد وحريصون عليه، لكن تشاؤمهم ربما لقناعتهم بأن هناك مواطن خلل وضعف ومشكلات وأنها لا تجد حلولا ناجحة، وينظر فيجد ممارسات وقرارات سلبية من الحكومات، لكنه في داخله مؤمن بالأردن وقيادته وحريص على البلد التي لا يرى له عنها بديل وخيار، ولديه قناعات بما في الأردن من خير وخيّرين، ويعترف بإنجاز كل من ساهم في بناء الأردن، وهؤلاء لديهم مشاعر مؤقتة لكنهم مع كل خطوة إيجابية يتخلصون من أي مشاعر سلبية، ويحتاجون من الدولة أن تصل إليهم بالقرار السليم والمعلومة الصحيحة وأن لا تتركهم لأي استغلال رديء.

وفي معسكر التشاؤم هنالك من يرى في بث السوداوية نوعا من إظهار الحضور في العمل السياسي والعام، وهناك من يعتقد أنه كلما شتم البلد ورسم لها الصورة القاتمة كلما فتح لنفسه أبوابا في الحضور أو يحصل على لقب الوطنية، وهناك من فقدوا فرصهم في الحضور ويرون في بث التشاؤم ثأرا من مرحلة ليسوا من رجالها.

وإذا كان في معسكرات التشاؤم من لا أمل في إزالة تشاؤمه لأنه ليس مرتبطا بوضع البلد فإن هناك فئات من الأردنيين على الدولة بكل مؤسساتها مساعدتهم على التخلص من أي إحباط أو تشاؤم، لأن الإحباط في نفوسهم ليس ناتجا عن نظرة سلبية تجاه بلدهم ولا يتمنون له إلا الخير، والمساعدة تكون بالإنجاز والقرارات السليمة وإغلاق الأبواب أمام من يستغلون كل قصة لتعزيز غربة الناس عن بلدهم.

وهناك من يكون تشاؤمه ناتجا عن معاناة شخصية، فمن في بيته عدة أولاد أو بنات بلا عمل منذ سنوات بعد تخرجهم ولا يجد طريقا لمساعدتهم ويرى مستقبلهم معتما فمن الطبيعي أن يكون محبطا متشائما لا يرى في الدنيا إلا مشكلته وواقع أبنائه.

وفي مجتمعنا من يمر في لحظات غضب أو زعل من أمر معين فتجده يتحدث بلهجة فيها تشاؤم لكنها ليست تعبيرا عن موقف من بلده، وربما من يسمعه يعتقد أنه معاد لبلده وناسه.

مرة أخرى على الدولة أن تدرك أن الظروف الصعبة تترك أثرا في النفوس، وأن الأداء الضعيف من الجهات الحكومية وضعف إنجاز الحلول أو القرارات غير المدروسة تترك أثرا أيضا، وأنها تعطي فرصة لمن سوداويته ناتجة عن عدم إيمان بالدولة لتوسيع دائرة إنجازاته.

أحيانا يكون حل مشكلة بطريقة سليمة أو قرار ينصف أو يخفف على الناس، كل هذا ومثله كفيل بإزالة الإحباط المؤقت ويقطع الطريق على تجار السوداوية.

إذا كان معسكر السوداوية الرافض لأي خير للبلد يحتاج إلى تعامل مختلف فإن حملة الإحباط المؤقت يحتاجون من الدولة أن تساعدهم بإدارة أمور الناس بصدق وإنجاز، فهؤلاء من لا خيار لهم إلا الأردن القوي حتى وإن أصابهم غضب أو إحباط مؤقت.

المقال السابق للكاتب

خيارات الأردن مع نتنياهو

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock