ضيوف الغد

معضلات اقتصادية بحلول إنسانية

معاذ دهيسات

تؤكد الإحصائيات أنه خلال الفترة من عام 1960 وحتى عام 2007، حدثت 122 حالة ركود مكتملة في 21 اقتصادا متقدما.
وبالعودة للعقد الذي تلا الحرب العالمية الأولى، نجد أن خاتمته تميزت بعنوان الكساد الكبير بدأت بفقاعة ضخمة من التلاعب بسوق الأسهم انتهت بالثلاثاء الأسود 29 أكتوبر 1929؛ حيث انهارت وول ستريت وتبخرت أموال المستثمرين، وتبع ذلك حالة انكماش اقتصادي داهمت معظم القطاعات، وخاصة المعتمدة على الصناعات الثقيلة وتراجع السوق الزراعي بما يتجاوز النصف، مما أدى الى تهشمه هو الآخر بعد أن اجتمعت عليه ثنائية السندات وموجة الجفاف التي وسمت بقصعة الغبار في مطلع العقد الثالث من القرن الماضي، إنها الثلاثينيات القذرة كما تم تأريخها؛ حيث امتد الجفاف لعقد وشمل كل أميركا الشمالية.
ظروف استثنائية نشأت على إثرها تغيرات كبرى شملت كل مناحي الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية وأنتجت قادة سياسيين من طراز جديد؛ حيث صعد فرانكلين روزفلت ببرنامجه الانتخابي المعنون بـ”العهد الجديد” ووضع ضحايا الأزمة الاقتصادية على رأس أولوياتها ضمن غطاء رعايا شمل العاطلين عن العمل برؤية اقتصادية ترتكز على اجتراح مشاريع تنموية عملاقة هدفها احتضان ما أمكن من المتعطلين لحل مشكلة البطالة، برنامج عمل يقوم على مشاريع رأسمالية تختص بالبنية التحتية وتشييد الطرق، قدر عدد المنخرطين فيه من الشباب بما يقارب مليوني عامل، ولعل أهم ما ميز خطة الديمقراطي روزفلت هما قانونا الإصلاح الزراعي والصناعي.
خطة تنموية بامتياز كانت ذاتها مع تعديلات في الرؤى يعاد تقديمها كطوق نجاة للقارة العجوز على يد جورج مارشال رئيس هيئة أركان الجيش الأميركي بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، فمعلوم أن النتيجة الطبيعية للحرب هي الدمار والانهيار الاقتصادي، فقدمت الولايات المتحدة لدول غرب أوروبا ما يقارب ربع تريليون دولار حسب تقديرات يومنا هذا لإنعاش اقتصاد ست عشرة دولة أوروبية فيما عرف ببرنامج التعافي الأوروبي.
إن عبور المعضلة أمر يحتاج الى فكر إنساني، كما في المقالة المشتركة لجلالة الملك عبدالله الثاني مع عدد من قادة دول العالم حول فيروس كورونا التي نشرت في الفاينانشال تايمز البريطانية، نجد دعوة صريحة لتحالف عالمي إنساني جديد ونبذ الخلافات أمام الهدف الأسمى، إنها مرحلة، كما أسلفنا، بحاجة لقادة من طراز مختلف، ففي عام 1953 دخلت اتفاقية لندن للديون حيز التنفيذ -وهي اتفاقية تهدف الى تخفيف الديون الألمانية- نجحت هذه المعاهدة، وكان من الجميل أن الاجتماع الأخير للأمم المتحدة بخصوص جائحة “كورونا” يشير بالنص الى استخدام الآلية ذاتها لدعم الدول النامية والمتضررة، وتشير التوصية الصادرة بالنص في بندها الثاني ضمن أربعة محاور الى: إلغاء تريليون دولار من الديون المستحقة على البلدان النامية هذا العام ووقف فوري لمدفوعات الديون السيادية، مثلما حدث بعد الحرب العالمية الثانية من تخفيف لعبء الديون الألمانية التي ألغي بموجبها نصف ديونها المستحقة.
نحن اليوم أمام مائة مليون شخص في براثن الفقر سنويا بسبب تكاليف الصحة العالية.. وكوفيد-19 سيزيد الوضع سوءا، هذا ملخص ما أصدرته منظمة العمل الدولية بخصوص الجائحة، وبحسب أرقام المنظمة ذاتها، فإن ملياري شخص حول العالم يعملون في وظائف غير رسمية عرضة لفقدان وظائفهم، وهو تحد صعب ولكنه ليس بجديد، يقول رجل الصناعة الشهير جون روكفيلير: “خلال هذه الأيام يوجد الكثير من المتشائمين، ولكن خلال حياتي التي امتدت لثلاثة وتسعين عاماً كانت الأزمات تأتي وتذهب ولكن يجب أن يأتي الازدهار بعدها دائماً”.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock