أفكار ومواقف

معضلة الأحزاب الحقيقية

هناك حالة قريبة من الإجماع على ان كل الاحزاب الاردنية، بلا استثناء، تعاني من ضعف في بنيتها وحضورها وعدد اعضائها. وهذا الواقع يشمل ايضاً حزب جبهة العمل الاسلامي الذي يستمد قوته وشعبيته من كونه امتداداً لجماعة الاخوان المسلمين وليس من قوته كحزب.


كما أن هناك اعتقادا لدى البعض ان حل مشكلة الاحزاب وتحويلها الى مؤسسات قوية وفاعلة يتم بعد انتاج قانوني الاحزاب والانتخابات بشكل جديد، وبما يعطي للاحزاب فرصاً للحصول على مقاعد عبر نظام القائمة النسبية، والسؤال: هل وجود هذين القانونين بصيغة مثالية سيغير من واقع الاحزاب الاردنية ويحولها الى ماكينة عمل سياسي مؤثرة، ويزيد من حماس الاردنيين للعمل الحزبي، بحيث يرتفع عدد الحزبيين العاملين من (3) او (4) آلاف الى عشرات او مئات الآلاف؟


هذا السؤال يثير الجدل. ولعل المتفائلين يحبون اغماض عيونهم عن انواع من العيوب في بنية الاحزاب لا يمكن للقوانين ان تعالجها، وربما يمارس البعض هروباً من واجبه في معالجة الثغرات، او عجزاً عن فعل ذلك فيعلق المشكلة على مشجب التشريعات.


ضعف الاحزاب وعلاقته بالتشريعات اشبه بقضية البيضة والدجاجة، فهل القانون يولد احزاباً قوية، ام ان الاحزاب القوية قادرة على انتاج حياة سياسية حقيقية؟ وحتى فكرة القائمة النسبية في قانون الانتخاب، التي من المفترض ان تعطي للقوائم السياسية او الاجتماعية او الحزبية نسبة من المقاعد، فهل وجودها سيحل مشكلة ضعف الاحزاب، ام انه سيعطي للقوى القوية حضوراً اكبر وسيبقي على الضعيف في مكانه، وحتى لو انتظرنا سنوات بعد تطبيق هذه القوانين، فهل سنكون على موعد مع حياة حزبية قوية, ومؤسسات سياسية متماسكة؟


هذا الامر يحتاج الى اختبار، وهي فرضية لا يمكن التسليم بها، وان كان وجودها كفرضية لا يعني عدم السعي لتعديل التشريعات، لكن من يسلمون بها ويتعاملون معها كقانون مطالبين بوقفة لم تمارسها احزابنا الاردنية بلا استثناء، إذ لم نشاهد اي عملية تقويم داخلي جاد في اي حزب. ولم تقم اي قيادة حزبية بغير الشكوى من مشكلاتها المالية او مشكلة العضوية او على الأقل ثبات الاعضاء من حيث العدد. بل ان منظومة الانشقاقات تتوالى وتجارب الاندماج او التحالفات تصاب بالانتكاس او في احسن الاحوال تتحول الى اطر شكلية سقفها الحد الادنى من القضايا والبيانات.


وبعض احزابنا تحولت فقط الى هيئات قيادية، دون ان تمتلك قاعدة حقيقية من الاعضاء، وبعضها في سجلاتها اعضاء، لكنهم عديمو التواصل مع احزابهم، وربما نسي بعضهم انه عضو في حزبه للمسافة الزمنية التي تفصله عن اخر نشاط او لقاء او حتى بيان، اي انها علاقة شكلية، والعجز في هذه الاحزاب ليس في استقطاب اعضاء جدد، بل في المحافظة على من سجلوا اسماءهم في سجلات الحزب.


الموضوعية تتمثل بان يتم تصنيف مشكلات الحياة الحزبية، ما بين الجزء المرتبط بالتشريعات والاجزاء المرتبطة بعوامل اخرى. ومن يسعى لتقوية الحياة الحزبية بشكل جاد ودون تموية او سعي للبحث عن مبررات الضعف فعليه ان يمارس جهداً حقيقياً لانجاز ما عليه ثم انتظار التشريعات. فالمصداقية والبرامج وثقة الناس والمؤامرات الداخلية واسباب الانشقاقات وهيمنة فئة او فرد والشللية وكل الامراض الاخرى لا علاقة لها بالتشريعات. ووجود نواب لاي حزب في البرلمان ليس صك غفران من كل الامراض والعيوب، وبعض احزابنا لن يتغير حالها حتى لو عاشت في ظل القانون الفرنسي او السويدي، فمشكلتها الحقيقية في بنيتها التي لا علاقة لها بالتشريعات.


[email protected]

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. التشريع اولا
    من وجهة نظري الشخصية, انه لايمكن ان يكون هناك بيئة سياسية تتمكن فيها الاحزاب على اختلاف توجهاتها السياسية من البروز واخذ مكانها الطبيعي في بناء المجتمع القائم على التعددية واختلاف وجهات النظر بما فيه مصلحة الوطن والمجتمع دون وجود قانون ينظم عملهاو يسمح لها بالوصول الى السلطة
    والذي اعنيه ان الحكومات المتعاقبة التي اشبعتنا خطابات في موضوع الاصلاح السياسي, والى الان لم تقدم مشروع قانون (سواء كان قانون الاحزاب او الانتخاب) الى المجلس النيابي.
    وبالنسبة لنقطة الاعتلالات الموجودة في هذه الاحزاب, فالسبب حسب اعتقادي يعود الى ان الاحزاب حاليا هي عبارة عن صالونات سياسية لااكثر بسسب عزوف الناس عما لافائده منه.
    ما اريد قوله ان المواطن في ظل الظروف الحياتية الصعبة والسريعة, غير قادرة على تضيع وقته في امور لا طأل منها. لان التشريعات الحالية هدفها الاساسي ابقاء المنظمات الحزبية منابر خطابية لا اكثر.
    عندمايوجود قانون انتخاب وقانون احزاب يمكنها من الوصول الى السلطة التنفيذي, وقتها فقط يستطيع الناس ان يروا و يجربوا و يقرروا اي الاحزاب يستحق ان يبقى وايها يستحق ان يفنى.

  2. دور الدولة الأمنية في عرقلة حركة الأحزاب
    أوافق كاتب المقال بكثير ممّا كتبه، و لكنه نسي أو تناسى دور ما يسمى بالدولة الأمنية في الأردن .. نعم، الدولة الأمنية و ليست الأجهزة الأمنية.
    في شهر 10 الفائت، قامت مجموعة من الأحزاب اليسارية في الأردن بحملة لتوعية المواطنين بعدم دستورية ما تقوم به الحكومة من رفع للأسعار، و عرضت هذه الأحزاب البدائل الدستورية لهذه المشكلة .. فقامت الأجهزة الأمنية باعتقال عدد من كوادر الأحزاب بطريقة أشبه بالإختطاف فلم تسمح لهم حتى بإجراء مكاملة هاتفية!
    عودة الى الموضوع، هناك مجموعة من النقاط التي تصب في الموضوع مباشرة:
    1. منع العمل السياسي في الجامعات و المدارس.
    2. ثقافة الخوف الموجودة لدى شعبنا من العمل السياسي كونه يؤثر سلبياً على حياتهم، و ذلك بسبب منع الأحزاب من العمل من عام 1957 حتى عام 1992، و ذلك لدى إصدار قانون الأحزاب 32.
    3. في كثير من دول العالم تقوم الأحزاب بالمطالبة "بتعديل أو تغيير" الدستور إلّا في الأردن! فإنّ الأحزاب تطالب "بتطبيق الدستور! و ذلك لكثرة المخالفات حتى من قبل الحكومات.
    4. قانون الانتخابات بحاجة ماسّة الى تغيير .. للإنتقال من "برلمان الوجاهات و العشائر" الى "برلمان برامجي منظم".

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock