أفكار ومواقفرأي اقتصادي

معضلة الاستثمار: الضرائب والإدارة الحكومية

لم ينقطع الحديث عن الاستثمار وتشجيعه وإزالة العقبات أمام المستثمرين منذ عقود في الأردن، الا أنه تكثف خلال السنوات الأخيرة بسبب تراجع معدلات النمو الاقتصادي بشكل ملموس، الى جانب تراجع مكانة الأردن في العديد من المؤشرات الدولية ذات العلاقة.
وأعلنت الحكومة مؤخرا عن نيتها إطلاق نافذة جديدة لتسهيل إنشاء الاستثمارات الجديدة سواء كانت محلية أم أجنبية، تحت اسم “رحلة المستثمر”، لتوحيد إجراءات التسجيل والترخيص لمختلف القطاعات الاقتصادية.
ونطرح هنا تساؤلات عدة حول مصير “النافذة الاستثمارية الموحدة” التي كان معمولا بها منذ سنوات عدة، وفيما إذا كانت النافذة الجديدة سوف تتجاوز المعضلات التي حالت دون نجاح النافذة السابقة من تسهيل عملية الاستثمار في الأردن.
مختلف المؤشرات العالمية المرتبطة بتحسين البيئة الاستثمارية، وأهمها المؤشر الذي يصدره البنك الدولي تحت عنوان “سهولة ممارسة الأعمال” تركز على جملة من المؤشرات والمعايير المرتبطة بطبيعة النظم الإدارية والقانونية المعمول بها في الدولة -أي دول- وكفاءتها.
ومراجعة سريعة لتقرير “سهولة ممارسة الأعمال” الأخير، يؤكد أن نقاط الضعف في البيئة الاستثمارية في الأردن يمكن تجاوزها بجملة إجراءات مرتبطة بتفعيل مبدأ سيادة القانون من جهة، وتطوير كفاءة الإدارة الحكومية من جهة أخرى.
إذ إن نقاط الضعف الأساسية مرتبطة بالتسهيلات الائتمانية وسهولة الحصول عليها وما يرتبط بها من متانة أنظمة الإبلاغ الائتماني وفعالية قوانين الضمانات والإفلاس، هذا الى جانب القضايا المرتبطة بالإعسار المالي من حيث الوقت والتكلفة والنتائج المترتبة عليه، وضعف الإطار القانوني للإعسار. يضاف الى ذلك عاملان آخران مرتبطان بقوة إنفاذ العقود المبرمة من حيث الوقت اللازم لحل النزاعات المرتبطة بالأعمال ونوعية الإجراءات القضائية اللازمة لذلك، وكذلك قدرة الدولة ونظامها القضائي على حماية المستثمرين وحقوق المساهمين، وجميعها مرتبطة بنظم حوكمة الشركات.
وإلى جانب المؤشرات العالمية، يؤكد مختلف ممثلي القطاعات الاقتصادية أن القدرات التنافسية للاقتصاد الأردني تراجعت بشكل ملموس بسبب ارتفاع كلفة مدخلات الإنتاج، وعلى وجه الخصوص تكاليف الطاقة، وهذا ناجم بشكل أساسي عن التوسع الكبير في فرض الضرائب غير المباشرة (الضريبة العامة على المبيعات والضرائب الخاصة والرسوم الجمركية وغيرها من الرسوم).
التشوه في النظام الضريبي وضعف الإدارة الحكومية يلعبان الأدوار الرئيسية في اضعاف الاستثمار النمو الاقتصادي، وهذان عنوانان واضحان للإصلاح. الحكومات المتعاقبة بما فيها الحكومة الحالية تعمل على إصلاح الجانب الإداري الذي حقق نتائج متواضعة حتى الآن، في الوقت ذاته الذي لا تبذل فيه أي جهود لإعادة بناء النظام الضريبي على أسس عادلة تخفف من كلفة مدخلات الإنتاج من جهة، وتخفف من أسعار مختلف السلع على المستهلكين من جهة أخرى، بما يحفز الطلب العام ويحرك الاقتصاد، بالرغم من أنها ضمنت خطابها السياسي والاقتصادي ذلك.
لا بل إن الحكومة ذهبت باتجاهات أخرى لا تعد متطلبا بتحفيز الاستثمار وفق المؤشرات الدولية ذات العلاقة؛ حيث أضعفت شروط العمل من خلال تثبيتها الحد الأدنى للأجور عند مستويات متدنية، الأمر الذي من شأنه إضعاف القدرات الشرائية للمستهلكين، وبالتالي إطالة أمد التباطؤ الاقتصادي.
من دون العمل بمنظور شمولي لتجاوز التحديات الأساسية المذكورة أعلاه، لن تستطيع الحكومة تحفيز الاستثمار والاقتصاد، وسنبقى ندور في حلقة مفرغة، حتى لو استقطبنا أفضل العقول لقيادة هيئة الاستثمار الأردنية الذي يعمل بحماس ومثابرة كبيرين.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock