أفكار ومواقف

معضلة التقاعد المبكر ومستقبل الضمان الاجتماعي

تحدث مدير مؤسسة الضمان الاجتماعي عن توجه لتخفيض الاشتراكات بأكثر من الثلث بالنسبة للمشتركين الجدد، والخبر يمكن قراءته بصورة إيجابية من أصحاب الأعمال الذين ستهبط فاتورة التقاعد لديهم بصورة مؤثرة، وثمة مزايا أخرى اقتصادية مثل زيادة السيولة المتداولة في السوق، على اعتبار أن الشركات ستتوجه لتطوير أدائها والإنفاق من الوفر الذي تحققه في بند التقاعد، ومع ذلك، فالخبر غير مريح إذ إنه ينطوي ضمنياً على تقويض التقاعد المبكر.
تعاني العديد من الدول من مشاكل مرتبطة بالتقاعد، السويسريون مثلاً بدأوا يتشككون في جدوى الديمقراطية المباشرة لأن التصويت، المرة بعد الأخرى، يسفر عن عدم قبول المواطنين للمساس بقوانين التقاعد، بينما تحذر الدولة من مشكلتها مع ارتفاع متوسط الأعمار مقابل تراجع أعداد الشباب، أي أن المستفيدين من التقاعد سيرهقون كاهل العاملين والاقتصاد بشكل عام مع الوقت، ويفترض أن الأردن لا تعاني من نفس المشاكل السكانية، فمعظم المواطنين في سن الشباب، أي أن الطبيعي ألا يشكل التفكير في فاتورة تقاعد ثقيلة على الاقتصاد هاجساً على المستوى الأردني، ومع ذلك فإن الخروج للشكوى يتكرر بصورة تستدعي القلق.
توجد مشكلتان أساسيتان عند التفكير في التقاعد المبكر، الأولى تتعلق بالبطالة، ومع أرقام بطالة مرتفعة ومرشحة للتصاعد، فالمقاعد التي كانت تشغر في سوق العمل نتيجة التقاعد المبكر لن تتوفر مستقبلاً، أي أن القدرة الاستيعابية للسوق ستنخفض، أما المشكلة الثانية فتتعلق بالأمان الوظيفي وعن أدوات يجب حضورها من أجل ألا تتخلى الشركات عن الموظفين والعاملين فوق الخمسين لتعيين آخرين بتكلفة أقل من بين الشباب، ووقتها لن يتمكن الذين فقدوا أعمالهم من الحصول على دخل يكفل لهم حياة كريمة، ولن يتمكنوا، وكما هي طبيعة الأمور، من الحصول على عمل آخر يماثل عملهم الذي تركوه، فالذين يلتحقون بالعمل بعد التقاعد في معظمهم ممن يرتضون بوظائف بسيطة لتعزيز دخلم المتدني أصلاً.
توجهات الضمان الاجتماعي تسعى إلى المحافظة على المؤسسة أمام حالة من الاستنزاف لمواردها أتت تحت عنوان سوء الإدارة لسنوات طويلة، وهو الأمر الذي يتم تحميله للمشتركين الحاليين والمرتقبين لأنهم الطرف الأضعف في المعادلة، أما السلوك الحكومي الذي أسهم في وصول المؤسسة إلى الوضع الراهن فيبدو خارج نطاق المراجعة، بل وتعاملت الحكومة معه باستخفاف عندما أزاحت مديونيتها لمؤسسة الضمان الاجتماعي من احتساب الدين العام لتتمكن من الحصول على مزيد من القروض.
وظفت الحكومة مؤسسة الضمان ضمن أدواتها الاقتصادية خلال العقدين الأخيرين، وكان للمؤسسة دور كبير أثناء جائحة الكورونا، ومع التأزم المالي تتصرف الحكومة وكأنها ليست جزءاً من المشكلة، وتتخذ موقفاً محايداً من مؤسسة ترتبط أعمالها بقطاع عريض من القوى العاملة في الأردن.
تحتاج المؤسسة إلى حوار وطني واسع لارتباطها بفئات متعددة ومختلفة من أصحاب المصالح، ومعظمهم لا يمتلكون القوة التمثيلية اللازمة من أجل التأثير على توجهاتها، وتحتاج أيضاً إلى قناعة حكومية بأن مؤسسة بهذا الحجم والتأثير المتشعب أهم من أن تترك للاعتبارات المالية وحدها، فهذه المؤسسات هي اقتصادية بالدرجة الأولى، وتأثيراتها على الاقتصاد مرتبطة بمؤشرات العمل والدين العام وتدفق السيولة في السوق، وكلها عوامل أكبر من أن تترك لإدارات تفكر في المدى القصير وبمنظور أحادي ينصب على المؤسسة نفسها ويهمل دورها الواسع في الاقتصاد.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock