أفكار ومواقف

معضلة الضيق بالهوية..

لو تعقبنا ردود الأفعال المتكررة على الأزمات الكثيرة التي يعاني منها العرب – وآخرها اعتراف ترامب باحتلال الكيان للجولان الذي ترافق مع قصف غزة- لوجدنا أنها لا تخرج عن شيء من قبيل: “نحن العرب ساقطون؛ ليتني لم أكن عربياً”. وسوف نلاحظ ميلاً متزايداً لدى الأفراد إلى الهجرة الفيزيائية من هذه المنطقة –سوى أن العالَم لم يعد مضيافا تجاه العرب بعد ما رُبطوا بالإرهاب والتشدد.
ليس ثمة ما هو أسوأ من ضيق المرء بهويته. وقد نجم هذا الضيق بوضوح عن فشل الهوية العربية الجامعة –والهويات القُطرية- في تحقيق “حاجة الناس الطبيعية إلى الاعتراف بكرامتهم (وامتلاك) لغة للتعبير عن السخط الذي ينشأ عندما لا يكون الاعتراف (بهذه الكرامة) وارداً أو قادماً”، بتعبير فرانسيس فوكوياما. وقد عبر العرب عن هذا العوز إلى “الكرامة” صراحة عندما عنونوا بها –بين أمور ذات صلة- محاولاتهم استعادتها فيما سُمي “الربيع العربي”.
أدى إحباط هذه المحاولات وفشل “الربيع” إلى تعميق الاتجاه نحو التماهي مع هويات بديلة، عبرت عن نفسها في تعريفات الأطراف المشتبكة في الصراعات المحلية والإقليمية، التي تزعم القتال للدفاع عن “الكرامة” كواحدة من المصالح التي يفتقدها الأفراد والمجموعات. ونشأت في الأقطار العربية ما توصف بـ”القبَلية الجديدة”، حيث الناس موالون لمجموعاتهم الاجتماعية فوق كل شيء آخر، ومنخرطون في التمييز أو العداء القائمين على أساس الفروقات بين المجموعات. وأصبحت “القبيلة الجديدة” تتعرف بالعرق، أو الدين، أو الطائفة، أو القرابة، أو الانتماء الأيديولوجي، أو الطبقة، والكثير من التوصيفات الفئوية.
كما اتضح، لا يمكن أن يسفر الصراع بين الهويات التي لا تني تزداد صغراً عن أي منفعة لأي من أعضاء هذه الهويات. وإذا حدث في أحد السياقات أن “انتصرت” هوية ما على منافساتها، فإن الواقع الجديد يعني تهميش الهويات المهزومة وتعميق أزمة الكرامة والاعتراف الغائبين. وكانت “سياسات الهوية”، المتمثلة في نشوء تعريفات جديدة لا متناهية للهويات، سبباً في المزيد من تأزيم الأفراد وتعميق شعورهم بالتمزق والانكشاف وفقدان الأمن.
من المفارقات أن الحكومات العربية لعبت طويلاً على الاحتفاظ بالهويات الفرعية المتمايزة، برغم زعمها عكس ذلك. وقد أفضت سياساتها العملية التي أنجبت التفاوت الاجتماعي والمادي، وغياب العدالة في توزيع الامتيازات والفرص، والفشل الفادح في إعمال أي قدر من سيادة حكم القانون، إلى زرع بذور التقسيم وتضخم الهويات الضيقة على حساب الهويات الوطنية. وهذه وصفة مثالية لتعظيم احتمالات الصراع وفشل الدول. وفي حين اندلع صراع الهويات في شكل حروب دامية في بعض الأقطار، فإنه ناضج للاندلاع في معظم الأماكن العربية الأخرى بمجرد إضافة القشة التي تقصم ظهر البعير.
قد يتصور العربي مثلاً، من باب التمني، أن يرد العرب على خطوات مثل اعتراف ترامب بالقدس عاصمة للكيان أو اعترافه الأخير بشرعية احتلال الجولان، بإغلاق السفارات الأميركية في كافة العواصم العربية بالتزامن، وكذلك سفارات الكيان حيث توجد – وربما قطع العلاقات التجارية والدبلوماسية وأي تعاملات مع كليهما. ويمكن أن يلجأ العرب إلى القوى البديلة الجاهزة –والتواقة- إلى التعامل معهم. وستكون النتيجة غالباً ضربة هائلة لأعداء القضايا العربية ودفعهم إلى التفكير مرتين.
نظرياً، يُفترض أن يحلَّ مثل هذا التوافق كثيراً من أزمة الهوية وجزء الكرامة الذي يوجع العرب، وأن يقودهم إلى الخروج من المساحات الضيقة المحاصرة التي توفرها الهويات الصغيرة. وقد يترافق هذا الاتجاه، موضوعياً، مع شكل من التنسيق العربي الذي يساعد في حل الأزمات القُطرية على المستويات الاقتصادية وتحرير القرار السياسي وفتح نوافذ على آفاق. وسوف تُحل مسألة التنافس الإقليمي ويُحبَط اجتراء الآخرين على كرامة العرب ومقدراتهم.
لكنّ الأقل من هذا لا يتحقق، حيث تخفق حكومات الأقطار العربية المفردة في حشد مواطنيها حول هويات محلية جامعة، أو ما تُسمى “هويات وطنية عقائدية”، والتي “تُبنى حول القيم والمعتقدات الجوهرية المشتركة” بحسب فوكوياما. ويتطلب تكوين هذه الهويات الواسعة والضرورية الاعتراف بكل مجموعات الهوية في البلد المعني على قدم المساواة، ومعاملتها بعدالة يكفلها حكم القانون، من حيث الفرص والمكانة وتوزيع الامتيازات والكرامة.
في حين أن وصفة “الهويات الوطنية العقائدية” تصلح للغرب المكون كينونات متمايزة ثقافة ولغة، فإن العرب مؤهلون لاعتناق “هوية قومية عقائدية”، تتمتع بكافة الشروط لأن تكون واحدة مُرضية عملياً ومعنوياً، وكفيلة بحل معضلة الضيق بالهوية مرة وإلى الأبد.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock