ترجمات

معظم الدول العربية تركز الآن على الشواغل الداخلية وليس الوحدة

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

تقرير خاص – (الإيكونوميست) 24/8/2021

ذات صيف ليس ببعيد، احتشد العشرات في قاعة للحفلات الموسيقية في بيروت لقضاء أمسية من الحنين إلى الماضي. غنّت مغنية عراقية المولد أغاني أم كلثوم، أكثر مغنيات مصر شهرة. وكانت “الستّ” رمزًا للقومية العربية: مدافعة عن القضية الفلسطينية وصديقة لناصر، الذي كان كثيراً ما يرتب مواعيد خطبه بحيث يتمكن من متابعة حفلاتها الشهرية. وفي ذلك المساء، كان الحشد اللبناني في أغلبه مزيج من الطوائف والطبقات. وبكى البعض أثناء غناء أغنية “إنت عمري”، وهي أغنية حب تبدو وكأنها تتحدث عن اليوم: “رجعوني عينيك لأيامي اللي راحو/ علموني أندم، على الماضي وجراحه”…
بدت الأمسية وكأنها أغنية حنين حزينة إلى وقت كانت فيه المنطقة أكثر مدَنية وطموحاً. وليست هذه المشاعر فريدة من نوعها في الشرق الأوسط، لكنها أصبحت اليوم منتشرة في كل مكان. القوميون يتشوقون إلى فترة كانت فيها الدول العربية تقاتل من أجل قضية، وتتصدى للقوى الأجنبية. والإسلاميون ينظرون أبعد إلى الوراء، إلى وقت كانت فيه الخلافة مراكز عالمية للتعلم والثقافة. والناس الأقل سياسة يتذكرون ماضياً عندما كانت إمدادات الكهرباء أكثر استقرارًا.
كان العقد الماضي مليئًا بخيبات الأمل. أصبح محور المقاومة قوة شد عكسي. وتبين أن شعار الإخوان المسلمين “الإسلام هو الحل” أجوف: الإيمان وحده لا يمكن أن يحل المشاكل الاجتماعية والاقتصادية. وما بدا وكأنه مسابقة محصلتها صفر لإعادة تشكيل الشرق الأوسط، انتهى بالتعادل، تاركاً الكثير من أجزاء المنطقة في حالة بائسة. ويعترف دبلوماسي من الخليج بأن “بعض تلك المعارك لا يمكن كسبها على المدى القصير أو الطويل. سيتعين علينا التأكد فقط من أن نكون، في الوطن، في أسلم وضع ممكن”.
سوف تكون القوى الأجنبية أقل تواجدًا، على الرغم من أنها لن تغادر المنطقة بشكل كامل. وقد حاول كل من باراك أوباما ودونالد ترامب إدارة ظهريهما للشرق الأوسط وفشلا. ومن غير المرجح أن يفعل جو بايدن ذلك أيضًا. فقد انجر مسبقاً إلى السياسة الإقليمية: من خلال إرسال مبعوث خاص إلى اليمن، ولعب دورا في وقف إطلاق النار في غزة، والتعامل مع الهجمات التي تشنها الميليشيات المدعومة من إيران على القوات الأميركية في العراق. ومع ذلك، فإن مكانة أميركا في المنطقة -التي تُقاس بمستويات القوات أو المشاركة الدبلوماسية أو النفوذ- لم تعد كما كانت. وقد أدى تركيز الحديث عن الحرية والديمقراطية إلى تضييق التركيز على مكافحة التطرف وتعزيز الاستقرار. ويبدو من غير المرجح أن تشرع أميركا، التي تركز على الصين، في خوض حروب وغزوات كبرى في الشرق الأوسط.
سافر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى بيروت قبل عام من الآن، بعد الانفجار الكارثي الذي حطم العاصمة اللبنانية، على أمل إقناع قادتها الفاسدين بإجراء إصلاحات جادة. وبعد مرور عام، يقوم الآن بجمع التبرعات لضمان استمرار الجيش اللبناني في إطعام جنوده، وهو طموح أكثر تواضعا. وليس لدى القوى الأوروبية الأخرى الكثير لتفعله في المنطقة. ولا تهتم روسيا والصين إلا بمصالحهما الضيقة. ومع ذلك، ما يزال الغرباء الخارجيون يلوحون بشكل كبير في أفق المخيلة الشعبية. وفي الواقع، ثمة حنين غريب إلى وقت كانوا فيه أكثر نشاطًا. يريد المثقفون العرب الذين يعارضون إيران من أميركا أن تطردها من الشرق الأوسط، لكنهم لا يستطيعون أن يوضحوا كيف يمكنها تفكيك مجموعات مثل حزب الله. وما يزال آخرون ينظرون إلى أميركا على أنها مصدر كل الويلات، ويتحدثون عن انسحابها من المنطقة باعتباره الدواء الشافي.
كان ابن خلدون، الفيلسوف العربي من القرن الرابع عشر، قد أشاع فكرة “العصبية”، وهي الشعور بالتماسك الجماعي الذي اعتبره الركيزة الأساسية للحضارة. وفي أشهر أعماله، “المقدمة”، طرح نظرية موحدة حول كيفية صعود الحضارات وانهيارها: مجموعات ذات تماسك قوي تتحد معًا، فقط لتشيخ وتكسل وتتحلل وتفقد تضامنها، ما يؤدي إلى انحدارها الحتمي. ومثل جميع النظريات الكبرى، تنطوي هذه النظرية على عيوب أيضاً: ثمة بعض الأنظمة العربية من الأكثر كسلاً على الإطلاق، والتي تقدم أمثلة مضادة للنظرية في العصر الحديث.
لكن مفهوم العصبية يظل ذا صلة. إن المجتمعات في حاجة إلى شيء يربطها ببعضها بعضا. ولكن لا يمكن فرض الوحدة على منطقة يبلغ عدد سكانها 400 مليون نسمة موزعين على أربع مناطق زمنية من الأعلى إلى الأسفل. ويقول غسان سلامة، الأكاديمي والدبلوماسي اللبناني: “لا ناصر ولا الأسد -ولا صدام بالتأكيد. كل هؤلاء الرجال ليسوا ديمقراطيين. لقد تلطخت القومية العربية بارتباطها الوثيق بالاستبداد”.
لم يخرج الاتحاد الأوروبي من الرحم مكتمل التكوين: كانت الوحدة الأوروبية نتاج عمل عقود، ولم تكن نتيجة أيديولوجيات كبرى، وإنما نتيجة مبادرات من أناس عاديين مثل مجتمع الفحم والصلب والسياسة الزراعية المشتركة. لكن جامعة الدول العربية اتخذت الاتجاه المعاكس، بافتراض وجود وحدة لم توجد عالميا. ويقول سلامة: “كانت هذه محاولة، حتى الآن محاولة فاشلة، لترجمة مفهوم ثقافي إلى مفهوم سياسي واستراتيجي”.
عندما تفشل الأيديولوجيات والمؤسسات، يتجه الناس إلى الهويات الأكثر محلية. ومن الشائع في لبنان أن نسمع الحديث عن الفيدرالية كحل لمشاكل البلد. وتبلغ مساحة لبنان 10.452 كيلومترًا مربعًا فقط، وهي نصف مساحة ويلز. وفي حين أن ديموغرافيته تتوافق قليلاً مع جغرافيته -حيث شماله سني بشكل كبير، وجنوبه شيعي بشكل كبير- فإن طوائفه مختلطة بما يكفي لجعل تقسيمه إلى كانتونات أمراً مستحيلاً. ومع ذلك، يريد عدد متزايد من مواطنيه فعل ذلك بالضبط، وهم يظنون أن نموذجاً سويسرياً سينهي بطريقة ما الاقتتال الداخلي في لبنان.
قطعت بعض الدول شوطا طويلا في العودة إلى الوضع السابق. ما يزال الدبلوماسيون الأجانب يأملون في التوصل إلى اتفاق سلام يعيد اليمن إلى سيطرة حكومة غير مدعومة. ومع ذلك، فإن وجود عدد كبير من الجماعات المسلحة، والعديد منها له مصالح متضاربة، يجعل تحقيق ذلك مستحيلاً. وكتبت ندوى الدوسري، المحللة في معهد الشرق الأوسط، وهو مؤسسة فكرية، أن هذا “الخيال الوستفالي لن يوقف انقسام اليمن، بل إنه سيزيد الأمر سوءًا”. هكذا هو واقع الحال: الوحدة فشلت، والدول القومية تفشل، لكن المزيد من التقسيم لا يقدم أي حلول.
إن العالم العربي كبير ومتنوع للغاية بحيث لا يمكن أن تهيمن عليه أيديولوجية واحدة. إنه في حاجة إلى قدر أكبر من الوحدة، ولكن من النوع التكنوقراطي الممل: اتفاقيات للسماح للعرب بالسفر والتجارة بحرية، ونظام أمني ناجح. وهو بحاجة إلى قادة وطنيين مستعدين لرؤية وظائفهم على أنها أكثر من مجرد منافسات محصلتها صفر على السلطة والمال. وهذا يتطلب احترام حقوق الإنسان والمجتمع المدني، والإصلاح الاقتصادي لضمان وجود موارد كافية للمضي قدماً.
والبديل هو سنوات أكثر ضياعًا والتي لا تستطيع المنطقة تحمل كلفتها. سوف تتضاءل مشاكل العقد الماضي أمام تلك التي ستأتي: السكان الشباب الذين يحتاجون إلى وظائف؛ وتحوُّل في مجال الطاقة قد يستنزف ميزانيات الدول المنتجة للنفط؛ وتغير المناخ الذي يمكن أن يجعل أجزاء من المنطقة غير صالحة للعيش. وإذا كان قادة العالم العربي غير قادرين التوقف عن التقاتُل على الأيديولوجيات القديمة، فإنهم ربما يجدون أنه لم يبقَ شيء للتقاتل من أجله.

*نشر هذا التقرير تحت عنوان: Staying at home: Most Arab countries now focus on domestic concerns, not unity

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock