أفكار ومواقف

معنا أم ضدنا؟!

أخطر ما يواجهنا في اللحظة الراهنة، تحديداً، هي تلك العقلية الإقصائية المكارثية لدى النخبة الرسمية المؤثرة في عملية صنع القرار، فالمعادلة الوطنية بأسرها يتم اختزالها بثنائية غريبة، تنتهي إلى السؤال الرئيس: إنت معنا أم ضدنا؟! حتى لو كان المخالف هو شخصية من “عظام الرقبة”!
هذه العقلية هي التي تحكم اليوم الرواية الإعلامية الرسمية التي عادت لحالة من الانغلاق على “من يؤيدون” فقط، واستبعاد كل من له رأي معارض للمسار الراهن، بل هي العقلية التي تنظر إلى وجهات النظر الأخرى في الإعلام بوصفها “تخندقاً” ضد الدولة ومصالحها مع “الخصوم”!
في هذا النمط من التفكير يتم اختزال الأزمة العميقة المركّبة التي تعصف بالسلم الأهلي والأمن الاجتماعي وتحجيمها في العلاقة مع جماعة الإخوان المسلمين، أو في شخصيات سياسية تقود المعارضة، بينما في الحقيقة المسألة أكثر تعقيداً وعمقاً من هذه المعادلة الرسمية المسطّحة، وفي المشهد ألوان متعددة ومختلفة، تقف في خندق الوطن، وليس بالضرورة مع الحكومة أو المعارضة!
مشكلة هذا النمط من التفكير أنّه يسطّح الأزمة العميقة الراهنة، بما لا يتجاوز سؤال العلاقة مع جماعة الإخوان أو المعارضة أو تصنيف الناس وفق منظور (مع أم ضد)، وهي في الحقيقة أعمق من ذلك بكثير وتضرب في صلب العلاقة بين الدولة والمواطنين، مع ضعف شديد في قدرات الدولة الاتصالية، فلا هي تعرف ما يريد الناس، ولا الناس يعرفون ماذا تريد!
الوجه الحقيقي للأزمة يتمثل اليوم بحالة الرعب، لدى الرأي العام، من الفوضى الأمنية الراهنة، وانتشار استخدام السلاح بكثافة في المشاجرات العشائرية والاجتماعية، والعنف الجامعي؛ حتى أنّ المواطن البسيط مصاب اليوم بحالة من الهلع والقلق على أمنه الشخصي، طالما أنّ التطاول على القانون أصبح أمراً يومياً معتاداً!
أكثر ما يدهشني اليوم أنّ هنالك رأياً يتم تداوله، حتى في أوساط النخبة السياسية المقرّبة من الدولة، بأنّ الفوضى الأمنية الراهنة مقصودة بحد ذاتها لنشر حالة من الرعب والخوف في أوساط الرأي العام، من مآلات تراجع الأمن والاسقرار، ما يدفع بالرأي العام لمطالبة الدولة بالضرب بيد من حديد، وهو ما يطاول مظاهر الاضطرابات الأمنية (على خلفية الخروج على القانون) والحراك الشعبي السلمي.
لا أملك إلاّ الشك بهذه الفرضية، إذ إن مجرد قبولها، معناه التسليم أن من يقودون هذا المسار الحالي لا يبالون في اللعب بالنار والزج بالدولة في أتون أزمة طاحنة، والتضحية بهيبتها وصورتها وتفكيك المجتمع فقط في سياق خصومتهم مع “المعارضة”.
ما أراه أنّ هذه الفوضى الأمنية، بالضرورة، هي انعكاس مباشر تماماً للفوضى السياسية، وانكسار سلطة الدولة الأخلاقية، واستسهال التطاول على القانون، والارتباك الشديد في علاقة الأمن مع المواطنين، ففي نهاية اليوم لا يمكن للأمن أن يحمل عبء أزمة سياسية واقتصادية كبرى!
في المحصلة، الخروج من هذه الأزمات يتطلب نخبة سياسية تخرج من نطاق التصنيف والإقصاء والاتهام للخصوم، نخبة قادرة على قراءة الأزمة من زواياها المختلفة وأبعادها المقلقة لنا جميعا، ربما يكون سؤال العلاقة مع المعارضة هو السؤال الأسهل والأبسط فيها!

[email protected]

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. المأزق
    والله يا اخي الاردنيون كلهم انتماء لهذا الوطن وهذه من سمت نفسها معارضة على قلة مريدها لا تمثل هذا الشعب,والشعب ليس معني بالحكومة ليقف بجانبها .فالشعب وانا ابنا لهذا الشعب لا يثق ولا ينتمي الا للقائد والوطن,اقولها بصراحة نحن بحاجة الى معارضة وطنيه , تعرف الشيح والقيصوم والخبيزه والعلت ,والسوسنه, وليست معارضها مشاربها -وانت نعلم اكثر مني -ليست مياه الوطن.
    نحن في ازمه بين نخبة لم تعد مؤهلة لقيادة الوطن ومعارضة لا تمثل الوطن راجيا منك الاجابة عن هذا التساؤل مع تحياتي لك

  2. و ردنا هو .. نحن مع الوطن شاء من شاء وابى من ابى …
    الوطن ثم الوطن ولن نكون ابدا مع عقليات اقصائيه مثل هذه العقليات .
    نحن نريد لوطننا ان يكون انموذجا لكل الدول العربيه في الديموقراطيات والحريات من خلال اصلاحات حقيقيه تتم من خلال حراكات سلميه .
    نرى امامنا ونحن نفكر في الاصلاح وطنا مميزا في حرياته وديموقراطيته وعيش مواطنه دون عثرات ومطبات نحن بغنى عنها .
    نحن لا نفكر ابدا الا بعقليه مواطنين يريدون لبلدهم كل الخير والفلاح والتقدم والازدهار , اما اللذين اخذ تفكيرهم ينحرف عن طريق الوطن وينظر للأمور بمنظور النديه والعقليه الاقصائيه فنقول لهم انظروا امامكم وانظروا لوطنكم الى اين انتم تاخذوه .. فهل تروا امامكم اما ام انكم تروا انفسكم فقط ؟!!

  3. سؤال الى ابو رمان؟
    وماذا انت قائل لو علمت ان هذه الفوضى مقصودة ، جربت في الماضي ، ويعاد انتاجها اليوم !!!! لا تشك ولا على بالك استاذ محمد

  4. من …وماذا …نحن؟؟؟
    يعيش الاردنيون اليوم ازمة غير مسبوقة اسمها ( الهوية) فلقد افاق الاردنيون من شتى الاصول والمنابت على حقيقة ان الاهل لم يعودوا هؤلاء الاهل والاصدقاء لم يبقوا هؤلاء الاصدقاء وان الوطن لم يعد جامعا لابنائه, وان هذا البلد اصبح عبارة عن مركز خدمات لمن يدفع اكثر ليس للشعب بل للمتنفذين بهذا البلد. , مما طرح السؤال البديهي بعقل الاردنيون من…وماذا..نحن؟؟

  5. الفوضى المقصودة !
    خطورة ان تكون الفوضى مقصودة لاخافة المطالبين بالاصلاح بضرورة الانصياع او ان الامور ستفلت تماما هو ان الفلتان قد ياتي فعلا بعد ان يفقد من يعتقد ان الامور بيديه لوحده القدرة على ضبطها مرة اخرى !!اي ان ما يريد اخافة الناس منه قد ياتي بالضرورة نتيجة هذه السياسة الحمقاء !! ( اذا كانت فعلا مقصودة ) وانا اشك بذلك وارى انها نتجية طبيعية للظلم والفساد وكل الاخطاء المتراكمة التي بدات تظهر تناقضاتها.

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock