أفكار ومواقف

معنى جديد للإصلاح السياسي

من البساطة اختصار الإصلاح السياسي بقانوني الانتخاب والأحزاب، وعلى كل الأحوال فالتعديلات المحتملة على القانونين شبه متفق عليها ومعظمها تعديلات فنية وستبقى قاصرة عن تحقيق الحلم ببرلمان قوي، وأحزاب سياسية ذات امتداد شعبي وقادرة على طرح برامج مقنعة، بما في ذلك المشكلة المزمنة حول النظام الانتخابي؛ فعلل الاصلاح السياسي توجد في اماكن اخرى.
منذ ربع قرن مرت عملية إصلاح التشريعات السياسية بتعديلات وتحولات بدون جدوى، واختصرت هذه العملية على فعالية النخب السياسية وقدرتها على الاشتباك مع المؤسسات السياسية الرسمية او استعدادها للاحتواء، الى ذلك لم تصل هذه العملية الى العمق الاجتماعي الذي ترتهن له الديمقراطية والوحيد القادر على حمل المشروع الاصلاحي، بمعنى لم تصل كل تلك التحولات بما فيها الاطر التشريعية الى الاشتباك مع المجتمعات المحلية التي هي أساس صنع القوة السياسية وأساس التمثيل وأساس المساءلة وهي التي تمنح الشرعية وتنتج الاستقرار.
اذا ما ذهبنا مع خطة الاولويات الحكومية التي تقول بمنح قانون اللامركزية الاولوية فإن التطور المهم ان يتحول هذا القانون الى جانب كونه اداة للاصلاح التنموي والاداري الى أداة للاصلاح السياسي بالانتقال باللامركزية الى دائرة الديمقراطية المحلية والاصلاح السياسي المحلي الذي يؤهل المجتمعات المحلية القدرة على تحديد الخيارات والبرامج والممثلين والمساءلة المحلية، بمعنى تحويل مجالس المحافظات الى برلمانات محلية بالفعل تتفوق في مهام المساءلة والمتابعة وتحديد الاولويات وزيادة حضور المجتمعات المحلية في المشهد الوطني العام بطرق مؤسسية وذات شرعية عريضة.
ترتبط اللامركزية بعمقها الاجتماعي والثقافي بمسألتين حاسمتين في مستقبل الأردن والأردنيين، وهما مستقبل الديمقراطية وقدرة المجتمع الأردني على استيعابها في ممارساته اليومية وتحويلها إلى قيمة ثقافية ناضجة ومحسومة؛ والمسألة الثانية ترتبط بتحسين نوعية الحياة، فكل تجارب الديمقراطيات الناضجة في العالم بدأت من الارتقاء بالمجالس المحلية وإنضاجها وحماية استقلاليتها.
علينا أن نتصور إصلاحا تشريعيا وإجرائيا يمنح الأولوية لبناء ديمقراطية محلية في المجتمعات المحلية تبدأ بتوسيع دائرة صلاحيات مجالس المحافظات ومنحها الحق بالمساءلة ضمن ادوات معرفة بالرقابة والمتابعة، وإعادة ترسيم النظام الانتخابي المحلي بحيث ينتخب نصف اعضاء المجلس على اساس قطاعي بمعنى ممثل للمعلمين وممثل للعمال المهرة والمنتجين وممثل للمزارعين وممثل للاطباء والمهندسين ما ينقل الحراك الاجتماعي من دوائر المرجعيات التقليدية والتقسيم المكاني والابوي الى دوائر الحراك الاجتماعي والطبقي الذي يعزز قيم الانتاج والعمل ويجعلها محور عملية التمثيل وبناء المصالح .
توفر الديمقراطية المحلية ضمانات حقيقية لحماية الاستقرار المحلي بمضامينه الاجتماعية والسياسية والأمنية، ولعل الدمج بين التنموي والسياسي في إدارة المحليات سوف يقدم حلولاً جديدة لعدد من الأزمات النامية والآخذة بالتفاقم على مستوى المحافظات والتي تدل على اختلالات تنموية وأخرى قانونية تطل برأسها بتعبيرات أمنية مقلقة. كما توفر الديمقراطية المحلية حالة صحية بإعادة إنتاج النخب المحلية بالاستناد إلى الكفاءة والإنجاز، حينما يصاغ التنافس محلياً الذي يتجاوز المناطق والجهويات ويعيد توطين معايير الكفاءة والإنجاز في وعي الناس وبما يلمسونه مباشرة في محلياتهم، وبالتالي مد النخبة على المستوى الوطني بدماء جديدة.
لقد صدعت أدبيات الإصلاح السياسي والديمقراطية رؤوس الناس على مدى عقود دون طائل، نحتاج إعادة تعريف الإصلاح السياسي بربطه بالخيارات الاقتصادية وبسيادة القانون وتماسك المؤسسات بالطرق الأكثر كفاءة في إدارة شؤون الناس وحاجاتهم؛ فالديمقراطية والإصلاح الذي يمكن أن يصغي إليهما الناس يبدآن من اجتثاث الفساد بكل أوجهه وبكفاءة إدارة الموارد والخيارات الوطنية، الإصلاح السياسي الحقيقي يبدأ من السياسة المحلية من جعل الناس على مستوى المجتمعات المحلية في مجالس المحافظات يمارسون ديمقراطية محلية يكون لهم الحق في مناقشة السياسات العامة على المستوى المحلي وعلى المستوى الوطني ولهم رأي في السياسة الخارجية وفي إدارة الديون العامة وغيرها. هذا النمط من الحراك سوف يغير طريقة الناس في تكوين البرلمانات الوطنية، وسوف ينتقل إلى أداء البرلمان وتأديته لوظائفه الدستورية.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock