أفكار ومواقف

مع المعلم وضد الإضراب

يستحق المعلمون زيادة وامتيازات أكثر مما يتلقونه الآن. وهذا الاستحقاق له أبعاد أخلاقية قيمية وأخرى اقتصادية بحتة. هؤلاء الذين علمونا في المدارس الحكومية في المناطق الأقل تنمية والأكثر تهميشاً وتحمّلوا معنا عناء الشح في كل شيء حتى في الدفاتر والاقلام. لم يكونوا يوما شحيحي الاخلاق ولا الكرامة ولا الالتزام برسالتهم. واسونا بفقرنا و”قلة حيلتنا” وعلمونا أن الإرادة والعمل الجاد والعزيمة والاصرار هي روافع النجاح. رحم الله الاستاذ يوسف الفقهاء مدرس الرياضيات الألمعي في مدرسة لب الثانوية للبنين الذي يذهب لطلبته للبيت إذا غابوا عن الدرس لأي سبب كان. كان يقوم بذلك لأنه يرى في طلبته مشاريع نجاح وعليه أن يحفزّهم. وأدام الصحة والعافية على الاساتذة الأفاضل علي السمارات ومحمد الخضور ومحمد مشرف ومفلح البريزات وزايد السمارات ويونس العداد ومحمود الحجيج وأمين الشورة وغيرهم الكثيرين من الذين تفانوا من أجلنا في لب ومليح ومن أجل غيرنا في أماكن أخرى.
مع دخول إضراب المعلمين اسبوعه الثالث يكون 72 % من طلبة المدارس خسروا حتى اليوم 13 يوما تدريسيا، مقابل انتظام 28 % من الطلبة في المدارس الخاصة. ويضع هذا الحال طلبة المدارس الحكومية، وهم عموماً الأقل اقتداراً، في موضع أضعف مما كانوا عليه في التنافس مما يمنح ميزة إضافية لطلبة المدارس الخاصة، الميسورين والمقتدرين عموماً كذلك، على حساب أقرانهم. ولهذا تداعيات سياسية واجتماعية واقتصادية يدركها أساتذتنا الأجلاء وتقدرها نقابة المعلمين كما تقدرها الدولة ومؤسساتها المتعددة. وتشكل هذه التداعيات مصدر قلق، ستظهر نتائجه مع نهاية العام الدراسي. وسيدفع الكل ثمنه.
لنعترف جميعاً أن للمعلم حقا. وحقه واجب علينا جميعاً بلا استثناء وكرامته من كرامة كل شخص. ولنعترف كذلك أن السياسات العامة في مجال التعليم المدرسي والجامعي عانت من تشوهات أدخلتها المصالح الخاصة “لبعض” من تولى زمام المسؤولية في التربية والتعليم والتعليم العالي على مر العقود الثلاثة الأخيرة. هذا يحتاج لإصلاح تدريجي ومدروس، وفي بعض مفاصله، لإصلاح جذري وسريع.
تُحسن النقابة صنعاً بأن تبادر ليس بحل الأزمة القائمة الآن فقط، وإنما بمبادرة لإصلاح إداري شامل في القطاع العام يأخذ “تردي المالية العامة” بعين الاعتبار ويُدخل التقييم الجاد على جميع العاملين في القطاع العام. ولا يُضير النقابة ان تلتقي مع الحكومة في منتصف الطريق ويعود الطلبة إلى غرفهم الصفية. بذلك تكون النقابة حققت هدفا إصلاحيا وطنيا وليس قطاعيا فقط. وهذا يعني أن تقبل الحكومة وتعترف بمبدأ الزيادة للمعلمين والبدء بجدولة يُتفق عليها من السنة المالية القادمة او التي تليها بما يحفظ كرامة المعلم وهيبة الحكومة وتراعي مصالح الطلبة واهاليهم والوطن.
ربما كان تقدير قادة نقابة المعلمين أن الاضراب سيستمر لعدة أيام فقط وسيتم التوصل إلى تسوية مع الحكومة. ومع استمرار الاضراب، يخسر المعلمون من رصيدهم، ولكنه لا ينضب، من المؤيدين لتحسين أوضاعهم المعيشية، وهم كثر، بسبب الآثار السلبية المترتبة على الطلبة وأهاليهم بشكل أساسي. الكل خاسر من استمرار الاضراب وبتعليقه يكسب الجميع وتبدأ عملية إصلاح إداري تُسجل المبادرة بها لنقابة المعلمين والاستجابة للحكومة.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock