منوعات

مغامرة في غروب الشمس والقصص الشعبية تعزف على وتر المجتمع الطيني

لاكتشاف عالم الأضرحة والأديرة في جنوب مصر



   نجع حمادى (جنوب مصر) – “تسلق الجبل امر مرهق و منهك ومنشط لاغراض الفوبيا. وعندما تصعد جبلا شاهقا او هضبة مرتفعة وانت لا تملك ادوات الصعود فهذا مكمن الخطر.



لدينا عربة بد ائية والة تصوير فوتوغرافى عقيمة وشمع واعواد ثقاب ونظارة طبية سميكة وسائق يعشق اطلاق صفارت التنبيه المدوية فى الطرق الخالية.



“نحن نفتقر الى الدليل.. الدليل الجبلي.. انها مغامرة فى غروب الشمس.



“وصلنا للقرية القابعة اسفل الجبل “عزبة عبد الرحمن”، شرق مدينة نجع حمادى فى صعيد مصر بحوالي 13 كم. استوقفنا شخصان لهما نظرات مريبة. لماذا يرغبون فى صعود الجبل واردتياد احد كهوفه شبه المظلمة؟.



“يا اهل الجبل نحن فى مهمة صحفية وهذه هى الهويات. نحن نبحث خلف المعتقد والموروث الشعبى ونريد ان نجرى تجربة فى ذلك الكهف الجبلى الذى ترتاده النسوة العقيمات وتلك الطقوس المريبة والغريبة التى تؤدى فيه. الطريق الرأسي الوعر يضيق تدريجيا نحو القمة وانا اتلقى الان فلسفة معلوماتية ضحلة تخص الجبل، وانا الهث متحديا الجاذبية”.



هكذا بدأ الباحث والصحفي المصري امير الصراف يروي تفاصيل مغامرته لاكتشاف عالم الاضرحة والاديرة والاحجار والكهوف التي يلجأ إليها المصريون في الصعيد لعلاج العقم وتأخر الحمل والامراض المختلفة.



   وتابع روايته بقوله ان “دخول الكهف صعب. فالممر المؤدي اليه ياخذ شكل المنحنى المنحدر لاسفل، ونحن على بعد الاف الامتار من الارض، فلابد من توخي الحذر.



“دلفنا الى الكهف الجبلي لنجده كهفا طبيعيا من الحجر الرسوبي، ليس له اية دلائل اثرية او حضارة او عقائد تزكي الموروث الشعبى الذى تمارس طقوسه فى جنباته. لاحظ معي مدى ايمان العوام بوجود القوى الغيبية الخفية القاطنة في الكهوف ومقابر الموتى”.



يقول “فيور بادخ” فى مؤلفه “جوهر المسيحية” انه لا يوجد شيء خارج الطبيعة، وان الكائنات الخارقة خلقتها تصوراتنا من واقع ماهو موجود حولنا. ومن عيوب العوام انهم يهرولون خلف المعتقد ويؤدون طقوسه فى خشوع لمجرد انه موروث من الاقدمين من دون ادنى معرفة بماهية المعتقد وجذوره وجدواه فى احداث تغير في امور معدة سلفا.. اذا نحن نقدس المعتقد.. لمجرد انه موروث.



   نعود سريعا الى الكهف لنرى تلك الطقوس الاباحية التى تؤديها النسوة للعقيمات الراغبات فى الانجاب. والبداية بحركات جمبازية صريحة فوق حفرة مسطيلة متباعدة الجوانب تقع اسفل جدران الكهف: تقوم المراة بالمرور سبع مرات فوق الحفرة وهي تشمر ساقيها ليسهل عليها القفز الذى يتطلب بعض المرونة ثم النزول عبر درج حجرى املس الى ممر ضيق سقفه منخفض للغاية حيثت تلامس الابدان فى رحلة الزحف فى الممر حتى الوصول الى البئر العميقة التى ينتهى فى الغالب بالارض الصلبة اسفل الجبل.



ونظرا لصعوبة تخطي الدرج الحجري، فالمعتاد ان ينزل الرجل ويستقبل المرأة على ذراعيه ويصحبها نحو البئر العميقة حتى تكتمل عناصر المفاجأة.. او “الخضّة”.



تلك الطقوس تتشابه مع احداث فيلم “الطوق و الاسورة”، حينما حملت البطلة سفاحا من حارس المعبد الذى اصطحبها فى قدس الاقداس ليفاجئها بـ “خضة” شهوانية لانها كانت تعاني من العقم.



واخيرا تقوم المراة بحمل سبعة احجار صغيرة لتستحم بها اوتجلس فى اماكن متفرقة فى الكهف.



يقول رشدي صالح فى كتابه “الادب الشعبي” ان المأثورات الادبية تجعل للاولياء من الصفات المذهلة والخوارق المعجزة ما لايختلف كثيرا عما نسبه الفراعنة الى آلهتهم، او ما اضفاه الاغريق على آلهتهم هم كذلك.



وها هي الروايات الشعبية الاسطورية تتواتر.. ابو عصران ظهَر بعد وفاته بمنطقة بالبراغيث بقفط على احد النقباء فتجمهر الناس فاختفى وظهر فى اسوان و تجلت كراماته. و فى يوم وفاته منذ 30عاما رفض النعش التحرك على صراخ النساء ولكن عند الضرب على الدفوف والزغاريد تحرك النعش نحو الضريح او المدفن.



لقد التبس فى اذهان عوام القرية فيما يتعلق بالموروث الشعبي عن عادات الدفن واقامة الجنازة، كلطم الخدود وضرب الدفوف والكرامات ان خروج النعش بضرب الدفوف والزغاريد وليس بالصراخ والعويل نوع من الكرامات او شيء يضفى مهابة خاصة على المتوفى.



   والطقوس التى تؤدى فى ضريح ابو عصران طقوس عشوائية فيها اذلال للنفس بغية التقرب للولي. فهناك رجال و نساء و اطفال يتدحرجون فوق ارض جبلية منحدرة، بينما تدق فاطمة على الدف وتتلو التعويذة ذات الابيات العامية لتظهر الكرامات في علاج الداء الذي يكون “مشهرة” المرأة المتزوجة حديثا والتى وضعت وليدها وقد اصابها الحسد وفقدان القدرة على المشي و المراة التى تريد فك (المشهرة) عليها بالدوران حول الضريح سبع مرات متتالية وربط سبعة خيوط من الكتان حول معصمها ثم التدحرج فوق “الكحريتة”.



ان الصدمة المفاجئة التى يتعرض لها مؤدو تلك الطقوس والايحاءات المصاحبة لها تجعلهم يتناسون الداء ويعلنون الشفاء الوقتي الهلامي. فهذا طفل دفعه اهله فجأة فوق الارض المنحدرة، فراح يصرخ والأم تزغرد. فالصراخ معناه خروج الخضة من جسده في اعتقادهم. ولكن الحقيقة أنه اصيب بكدمات فى انحاء متفرقة من جسده بفعل ارتطامه بارض جبلية وعرة. وهذا هو سبب الصراخ.



والمريدون والاتباع والمنتفعون من اقامة الموالد حول الاضرحة ومروجو الكرامات يهللون دائما لصاحب الضريح وينسجون حوله القصص والروايات الخارقة التي تجذب البسطاء من الناس، فيهرولون نحو اضرحة الاولياء والقديسين.



ولاعجب فى ذلك. فالمعتقد الشعبي يؤدي للاعتراف للاولياء بسلطان فعلي خارق.
   واذا كان للمسلمين اولياء، فللنصارى شفعاء وقديسون، واذا كان المسلمون يتدحرجون فوق “كحريتة” ابو عصران ببلدة القصر، فالنصارى ايضا يتدحرجون فوق ربوة مرتفعة تسمى “القطيعة” في دير ابو شنودة “الانبا شنودة او الدير الابيض” بمحافظة سوهاج.



ان ثنائية العلاقة بين طقوس التدحرج والمزارات الدينية كالاضرحة والاديرة، تبقى كعلامة استفهام غامضة وتحتاج الى بحث مطول من الباحثين والمراكز البحثية والجامعات المختلفة.



فى بخانس بمركز ابو تشت فى محافظة قنا بلد الاضرحة والاولياء اربعة واربعون وليا وضريحا. وهناك معتقد شعبي يفوح بالوثنية عن قوى غامضة خفية تسكن فى حجر من الجرانيت الوردى يعتقدون انها قوى محسوسة لا ملموسة مجربة لمن اعتقدوا فيها وامنوا بجدواها. انها “الست رميلة” ذات الصولجان في بخانس.



وهذه عجوز طاعنة فى السن أبت الجلوس الى جواري لاني من اصحاب المقامات العالية حسب قولها!



قالت انها منذ ان ولدت فى بخانس و هي تشاهد ذلك الحجر الجرانيتي الذى تكتنفه فتحة شبه مثلثة فى وسطه و هي تخص الست رميلة المتخصصة فى علاج حالات العقم و فك المشاهرة و الخضة عند السيدات فقط.



من تكون رميلة؟ أهى شيخة ام بتول؟ لا احد من اهل القرية يعرف سيرة ذاتية عن رميلة او حتى اشتقاقات الاسم. و معناه لديهم موروث قديم يقول ان هذا الحجر يسمى الست رميلة وهذا الموروث له طقوسه، فتقوم المراة العقيمة بالدوران ثلاث مرات حوله، ثم تحاول عبور الفتحة المثلثة الضيقة التى اذا اتسعت وسمحت بمرور المراة فهذا معناه انها سوف تحمل.



انه اللامعقول. فهذه الفتحة ضيقة بحيث لا تسمح بمرور رضيع ما زال يحبو.. فكيف ستمر فيها سيدات بدينات بكل يسر ليحبلن؟.



لاحظ معي الحجر الجرانيتي يتوسط منازل القرية. وعند اداء الطقوس تقوم النسوة المصاحبات بنصب خيمة من الملاءات لسترها. لذلك فلا احد يرى تأدية تلك الطقوس مباشرة سوى مؤديتها، واغلب الظن انها تقوم فقط بالمرور فوق الحجر ثلاث مرات متوالية.



وهناك بعض المنتفعين من وجود هذا الحجر يروجون روايات خيالية حوله تحذر من تحريكه. ومن هذه الروايات أن أحدهم حاول نقل الحجر فاندفع الى اسفل.



   وتتواتر روايات كثيرة عن الشيوخ المغاربة فى القرى و قدرتهم الخارقة في اعمال السحر واللقايا والتلاوة فوق الاحجار والطيران بها. من الروايات أن أحد المغاربة جاء وبصق على الحجر فاندفع من أسفل إلى أعلى فجائيا وعاد الى مكانه ثانية.
لن نخوض فى


 تشريح تلك الروايات الشعبية التى تتناقلها ألسنة القرويين، بل نقدم أولا تفسيرا لتواجد حجر من الجرانيت الوردي مطموس فى تربة طينية بقرية زراعية.


فبخناس من القرى القديمة التى ذكرها جوتيبه، وهي تتبع مركز أبو تشت. وفسر اميللينو معناها بجزيرة خونسو. وقال انها وردت مخانس وهى بخناس. اما كلمة بخنوس فيبدو انها تعنى البعد الهائل لامتداد بخانس. كما ان الكلمة نفسها تعتبر اشتقاقا من اسم الإله خونسو إله القمر.



اذن هذه قرية لها جذور تاريخية واثرية وهذا يبرر النشاط الملحوظ فى عمليات التنقيب بالقرية.وما يعزز التفسير الذى اوردناه وما قاله لنا الأهالي من ان احجارا متعددة كانت تتناثر فى القرية قد اختفت.



   والآن، بقي لنا ان نحدد ماهية الحجر والغرض منه. وتوصلنا إلى انه من المرجح ان يكون الجزء العلوي من رحاية قديمة مجهولة التاريخ لخلوها من الكتابات التى قد نستدل منها على تاريخها أو العصر الذى ترجع اليه. و يعزز هذا الرأي وجود فتحة شبه مثلثة تكتنف الحجر وتماثل مطاحن الغلال المستخدمة فى البيوت المصرية القديمة والتي مازالت مستخدمة فى بعض البيوت الريفية حتى الان.



يبدو ان البعض اختلقوا معتقدا شعبيا اسمه “رميلة مخصبة النساء” ليضاف الى قائمة لا تنتهي من المعتقدات الشعبية الموروثة وعلينا ان نؤدي طقوسها وقت الحاجة لمجرد انها موروثات من الاسلاف. فنحن مجتمع طيني متشبث بكل ما هو قديم.. حتى لو كان غير منطقى احيانا.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock