ترجمات

مفتاح جديد لنجاح “كوفيد”: ليس الدول بل المجتمعات

فريد زكريا* – (الواشنطن بوست) 9/4/2021

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

بعد بضعة أشهر من انفجار “كوفيد -19” وظهوره على المسرح العالمي، بدا السبب واضحاً لنجاح بعض البلدان في احتواء الوباء ولماذا كان عمل البعض الآخر سيئًا. وسجلت الأماكن التي فيها حكومات قوية وفعالة -الصين، وتايوان، وسنغافورة، والإمارات العربية المتحدة وألمانيا- وفيات قليلة بسبب الفيروس، في حين كان أداء الأماكن ذات القيادات الضعيفة والبيروقراطيات المختلة وظيفياً -الولايات المتحدة، بريطانيا، إيطاليا، تشيلي، البرازيل- سيئًا بطريقة ملحوظة.
ولكن الآن، بعد مرور عام على انتشار الوباء، أصبح الوضع أكثر تعقيدًا إلى حد ما. فقد شهدت العديد من الدول الأوروبية التي تمكنت من السيطرة على الفيروس ارتفاعًا حادًا في الحالات. وكان أداء بعض البلدان التي ضربها الفيروس بقوة جيدًا في مسألة إعطاء المطاعيم لمواطنيها. فكيف نفهم هذه الحقائق الجديدة؟
ما يزال من الصحيح أن أقوى عنصر منفرد للتعامل بنجاح مع الوباء كان المؤسسات الحكومية القوية والفعالة، لا سيما في مجال الصحة العامة. ولكن، اتضح أن هذا وحده لا يكفي. إضافة إلى الدولة، علينا أن ننظر أيضاً إلى المجتمع.
تجادل ميشيل غيلفاند، المتخصصة في علم النفس الثقافي بجامعة ميريلاند، منذ فترة طويلة بأن التمييز الرئيسي بين البلدان هو ما إذا كانت لديها ثقافات “منضبطة” أو “سائبة”. وتميل الثقافات المنضبطة المُتماسكة، مثل الصين، إلى احترام القواعد والأعراف بدرجة كبيرة؛ في حين تميل الدول السائبة، مثل الولايات المتحدة، إلى تحدي هذه القواعد والأعراف وكسرها. وفي بحث نُشر في كانون الثاني (يناير) 2021 في مجلة “لانسيت بلانيتاري هيلث”، قامت هي والعديد من زملائها بدراسة 57 دولة، وخلصوا إلى أن الدول السائبة مُنيت بخمسة أضعاف معدل حالات الإصابة بـ”كوفيد – 19” وتسعة أضعاف معدل الوفيات من فيروس كورونا في البلدان ذات الثقافات المنضبطة.
وتشير غيلفاند إلى أن هذا التمييز بين المجتمعات الملتزمة بالقواعد في مقابل المجتمعات المخالفة للقواعد كان قد لاحظه أول مرة هيرودوت، ثم لاحظه العديد من علماء الأنثروبولوجيا والمفكرين على مر القرون. لكنها حاولت دراسة الظاهرة بشكل منهجي وتحديد تداعيات هذه السمات الثقافية. وفي آذار (مارس) 2020، بينما كان الوباء في صعود، حذرت ببصيرة نافذة من أن الثقافات السائبة يُرجح أن تواجه أوقاتًا عصيبة ما لم تتمكن من “ضبط نفسها”.
والأرقام تتحدث عن نفسها. عند النظر إلى أعداد الوفيات التراكمية لكل مليون بين البلدان الكبيرة، كانت الثقافات السائبة، مثل بريطانيا والولايات المتحدة والبرازيل والمكسيك، من بين أسوأ الدول أداءً. وفي المقابل، حافظت الثقافات المنضبطة المتماسكة، مثل تلك الموجودة في شرق آسيا -الصين، واليابان، وتايوان، وسنغافورة وفيتنام- على معدلات منخفضة للغاية من حالات الإصابة بالفيروس، والدخول إلى المستشفيات، والوفيات.
لا تدّعي غيلفاند –عن حكمة- أن هذه الاختلافات الثقافية متجذرة في بعض الاختلافات الفطرية بين الشرق والغرب، لكنها بالأحرى نتاج منطقي للوقائع التاريخية. تميل المجتمعات التي واجهت تهديدات مزمنة -الحروب، والغزو، والمجاعات، والأوبئة- إلى تطوير ثقافات منضبطة يصبح فيها اتباع القواعد وسيلة للبقاء. فكروا في تايوان، التي تتعرض باستمرار لتهديد التدخل العسكري الصيني، في مقابل الولايات المتحدة، المحمية بمحيطين شاسعين واثنين من الجيران اللطفاء. وفي المجمل، تميل الأماكن التي كانت آمنة ومزدهرة لفترة طويلة إلى أن تصبح أكثر تساهلاً بشأن مراعاة المعايير والأعراف.
يلقي هذا التمييز بين الدولة والمجتمع الكثير من الضوء على أوروبا. فالدولة تعمل بشكل جيد في العديد من الدول الأوروبية، مثل ألمانيا وفرنسا. ونتيجة لذلك، تمكنت هذه الدول من تسوية المنحنى بعد الموجة الأولى. ولكن في النهاية، سئم الناس من اتباع القواعد (على حد تعبير إيمانويل ماكرون). في فرنسا، انهار التباعد الاجتماعي خلال عطلة شهر آب (أغسطس) في البلاد. وفي ألمانيا، قرر الناس التجمع للاحتفال بعد بضعة أشهر. والنتيجة -طفرات وارتفاعات محلّقة في انتشار “كوفيد”.
ويسلط طرح اللقاحات وتوزيعها الضوء على بُعد آخر لهذه الظاهرة أيضاً. كانت بعض من الدول الأكثر انفلاتاً، والتي كان أداؤها سيئًا في إدارة الوباء من خلال اتباع تدابير مثل التباعد الاجتماعي -الولايات المتحدة، وبريطانيا، وإسرائيل وتشيلي- هي الأكثر ابتكارًا ودينامية في تطوير وشراء وتوزيع اللقاحات. وهكذا، كانت السمات ذاتها التي جعلت من الصعب اتباع قواعد التباعد الاجتماعي هي تلك التي ساعدت على إيجاد حل للمشكلة -وتستفيد تلك الدول الآن من ذلك الابتكار، واتخاذ المخاطرة، وخرق القواعد.
أخبرتني غيلفاند أن هذه ليست مسألة أن إحدى السمتين أفضل من الأخرى. “سواء كنتَ دولة، أو شركة أو حتى عائلة، فأنت تريد أحيانًا أن تكون منضبطاً، وأحيانًا فالتاً. والمفتاح هو، هل تعرف كيفية الانتقال من أحد جانبي الطيف إلى الجانب الآخر”. وتشير إلى أن نيوزيلندا، التي تعد بشكل عام دولة سائبة، والتي انضبطت عند مواجهة فيروس كورونا. وقد فعلت اليونان الشيء نفسه بقيادة رئيس وزراء مقتدر للغاية. وقالت غيلفاند: “الهدف يجب أن يكون أن تكون بارعاً في استخدام كلتا يديك -أن تكون منضبطاً أو سائباً، اعتمادًا على المشكلة التي تواجهها”.

*Fareed Zakaria:‏ صحفي ومؤلف أميركي من أصل هندي، يعمل مقدماً لبرنامج “فريد زكريا جي بي إس” الأسبوعي على قناة (سي إن إن)، ويكتب في صحف “الواشنطن بوست” و”نيوزويك”، وهو محرر طبعتها الدولية، ومحرر بارز في مجلة “التايم”. نشر أول كتاب له في العام 2003 وكان بعنوان “مستقبل الحرية: الديمقراطية اللاليبرالية في الوطن والخارج”، و”عالم ما بعد أميركا” (2008)، و”في الدفاع عن التعليم الليبرالي” (2015) وغيرها.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: A new key to covid success: Not states but societies

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock