فكر وأديان

مفهوم العقل في ميزان الشرع

د. هاشم غرايبة

قد يُفاجأ كثيرون بأن مفردة (العقل) لم ترد في كتاب الله، وإنما جاءت في صيغ أفعاله مثل: (يعقلون) في 22 موضعا، و(تعقلون) في 24 موضعا، ووردت أفعال: (نعقل) و(يعقلها) و(عقلوه) مرة واحدة.
لعل في ذلك دلالة على أن العقل ليس كيانا ماديا معرّفا، بل هو محض منتج فعل، ولم يستطع أحد الى اليوم تعريف العقل عضويا، ولا دليل على أن مكانه في الدماغ أو في القلب، بل تختلط به جملة مسميات مثل التفكير والفهم والذكاء والاستيعاب والإدراك، فتتداخل فيما بينها لتنتج التصرف البشري تجاه موقف ما، فنصف هذا الفعل إن كان مناسبا بحسب فهمنا بالمتعقل، وإن مقبولا لفهمنا نسميه معقولا.
لو عدنا الى أصل التسمية لغويا، فالعقل من (عَقَلَ)، وعقَل الدابة أي ربطَها، لذا فمعناه ربط المتغير الى شيء ثابت، لذلك فالإنسان العاقل يختلف عن الحيوان، بأن تصرفاته محكومة بقواعد أساسية وتخضع لعوامل ضابطة، وليست مجرد تصرفات تلقائية وفق الاحتياجات الغريزية المحضة كالحيوان.
كما أن أصل الحكمة لغويا أنها تعني ما أحاط بحَنَكَي الفرس، سُمِّيت بذلك؛ لأنَّها تمنعه من الجري الشَّديد، وتُذلِّل الدَّابَّة لراكبها، حتى تمنعها من الجِماح، ومنه اشتقاق الحِكْمَة، لأنَّها تمنع صاحبها من أخلاق السفهاء، وأَحْكَمَ الأَمْرَ: أي أَتْقَنَه فاستَحْكَم، ومنعه عن الفساد، أو منعه من الخروج عمَّا يريد.
نستنتج مما سبق أن العقل بذاته لا يصلح كمرجعية قياسية مطلقة، فهو خاضع للنسبية والظرفية، لكنه يصبح كذلك بمقدار ربطه الى مرجعية قياسية، وهي الحق المطلق والعدل المطلق.
لذلك جعل الله الشريعة حكما على الصلاح والنفع، فلم تُحرّم إلا خبيثاً ضارا، وأبقت ما هو بخلاف ذلك مباحا، وعليه فلم تترك الشريعة تحديد المحرمات منوطاً بتحكيم العقل، فأحكامه تحتمل الاختلاف الفردي والتباين وفق المصالح، بل أنيطت بأحكام ثابتة محددة، لكنها معللة بالعقل، ومعتمدة من قِبَله، ويستدل عليها بالفطرة السليمة.
هذه الأحكام والتعليمات لتحديد الصالح من الطالح، إضافة الى معلومات لا يمكنه معرفتها بذاته، لأنها فوق قدرات العقل وخارج إدراكاته، أنزلها الله على البشر كمصفوفة متكاملة سماها (الدين)، وأوصلها لهم من خلال أنبياء، كل ذلك سمي بالنقل، أي المعرفة المنقولة من غير حاجة الى تجريب أو اختبار.
معادو الدين، ولأسباب متعلقة بمصالحهم، رفضوا قبولها، منهم من كان رفضه للدين تعنتا وإلحادا، ومنهم إعراضا عنه وتكذيبا بصحة انتسابه الى الله، وقلة قليلة بسبب اعتقادهم بمرجعية العقل المطلقة، وهؤلاء يحاججون بأن النقل يعطل العقل، لكن ما يدحض حجتهم أن العقل الصريح لا يُعارض النقل الصحيح، بل يشهد له ويؤيده لأن المصدر واحد، فالذي خلق العقل هو الذي أرسل إليه النقل، ومن المحال أن يُرسل إليه ما يُفسده.
لذلك قال ابن تيمية: “العقل شرط في معرفة العلوم، وكمال وصلاح الأعمال، وبه يكمل العلم والعمل، لكنه ليس مستقلاً بذلك” [مجموع الفتاوى: 3/339].
هكذا فالعقل أساسي لأنه بالتفكير بادئ في البحث، وبأدواته باحث عن الحل، لكن المنتج النهائي لا بد أن يعرض على مرجعية ثابتة تحكم على حكمته وصوابه.
وقد رأينا أن العقل حينما لا يعتمد هذه المرجعية يضل، فيكون قراره خاطئا بدرجة تقل أو تعظم بمقدار اقترابه أو ابتعاده عن تلك المرجعية، فهذا فرعون اتخذه قومه حكيما فكان لا يريهم إلا ما يرى فصار ربهم الأعلى، فظلم وتجبر.
ولو قلنا أن الرأي الأصوب من رأي الفرد هو الاحتكام الى نخبة من العقلاء، فهؤلاء الملأ من حكماء “اسبارطه” حكموا بالموت على من لا يدين لهم بالطاعة من الأمم الأخرى.
ولو افترضنا أن الأصوب مما سبق هو الاحتكام الى تمثيل الشعب (الديمقراطية)، واعتماد رأي الأغلبية، فهذا مجلس نواب روما قد اتخذ قرارا بالإجماع بتدمير قرطاجه وقتل أهلها.
صحيح أن ذلك كان قديما، لكن عقلية الإنسان لم تتغير، فبعد عشرين قرنا خوّل الكونغرس – نخبة الشعب الأميركي – “بوش” بتدمير العراق أيضاً، لأن عقولهم صورت لهم أنه يملك أسلحة الدمار الشامل.
نخلص أخيرا إلى أن العقل مستقلا لا يمكن أن يكون كافيا، ما لم (يُعقل) الى مرجعية ثابتة، ولا بد له في كل صغيرة وكبيرة أن يظل (معقولا) الى شرع الله الذي هو الثابت الوحيد في المعرفة البشرية.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock