ترجمات

مفهوم “المغرب الكبير” اختراع استعماري فرنسي

جوليان لا كاساني* – (أوريان 21) 9/1/2021

نشر عالم الأنثروبولوجيا عبد المجيد هنوم تحقيقًا تاريخيًا مشوقا حول أصل عبارة “المغرب الكبير” التي قام منظرو الاستعمار الفرنسي بتطويرها إلى حد كبير. وقد أسهم هذا المصطلح -الذي يدرسه الكاتب من خلال الأرشيف، وعلى وجه الخصوص محفوظات “المكاتب العربية” التابعة للجيش الاستعماري الفرنسي- في عزل المنطقة عن بقية القارة الأفريقية وكذلك عن الشرق الأوسط.

  • * *
    أنتج عالم الأنثروبولوجيا وأستاذ جامعة كانساس، عبد المجيد هنوم، أعمالا أكاديمية مهمة عن تاريخ وأساطير شمال إفريقيا. وقد أوصله عمله، بالاعتماد على المصادر العربية والأرشيف الاستعماري، إلى تحليل شخصية الملكة البربرية “الكاهنة” بدقة لافتة، أو التطرق إلى العلاقة بين الاستعمار والعنف والحداثة. وقد نشرت منشورات جامعة كامبريدج في العام 2021 كتابه الأخير “اختراع المغرب الكبير: بين إفريقيا والشرق الأوسط” The Invention of the Maghreb. Between Africa and the Middle East, (University Printing House, Cambridge)، الذي يطرح سؤالاً أساسيا: هل المغرب الكبير فكرة استعمارية؟
    يُظهر هنوم العواقب التي خلفتها -وما تزال- السردية الاستعمارية حول نشأة المجموعات الإقليمية في شمال إفريقيا، لأن الخطاب الاستعماري، حسب رأيه، لم يكتف فقط بزعزعة الهويات والتقاليد هناك، بل خلق هويات وتقاليد أخرى من العدم، والتي قد تبدو محلية لكنها لم تكن كذلك أبدا. ويعد مصطلح “المغرب الكبير”، حسب قوله، من أهم هذه الاختراعات:
    لنتمعن في تسمية المغرب Maghreb، التي لا نزاع عليها تقريبا، فهي تبدو عربية، بل وحتى محلية آتية من صلب التقاليد المحلية، ومع ذلك فهي أيضًا تسمية فرانكوفونية، تم اختراعها عن تقليد عربي مترجم، يخفي رنينه “الأجنبي” اختراعه الاستعماري.
    سرديات لبناء أمم
    قام منظرو الاستعمار الفرنسي بعزل المنطقة المغاربية، كبناء جغرافي وتاريخي وأنثروبولوجي، عن القارة الأفريقية والشرق الأوسط على السواء. وبطبيعة الحال، كما يذكر ذلك هنوم، ليست فكرة أن مصر والمغرب الكبير منطقتان متميزتان مجرد فكرة استعمارية، فقد سبق وأن ميز الرومان والعرب مصر عن إفريقيا. ولكنهم لم يذكروا أبدا فكرة وجود إفريقيا “بيضاء” منفصلة عن أفريقيا “السوداء”، وهي فكرة طورها الجغرافي إميل فيليكس غوتييه في وقت متأخر، وتبناها بعده المؤرخ تشارلز أندريه جوليان.
    يجري كتاب هنوم قراءة في دور التاريخ وعلاقته بالسلطة. ويلاحظ أن العثمانيين لم يطوروا كثيراً، على عكس الدول الاستعمارية، أساليب السلطة المبنية على سرد تاريخي موجه إلى المجتمعات الواقعة تحت وصاية الباب العالي. فقد أخذت الكتابات التي تصف الماضي شكل السجلات أو الحوليات، لكنها لم تكن أدوات لبناء الأمم. كانت الفكرة تكمن في إضفاء الشرعية على حكم السلطان، وليس في منح شرعية لرعاياه من خلال سرد تاريخي:
    “إن تصور التاريخ (الذي يعد علم الآثار جزءًا منه) على أنه ’علم’ الماضي الذي يكون مفيدا سياسيا بل وحيوي، باعتبار أنه يوفر جوهر الأمة ومباركة من الدولة، هو جزء من الحداثة”.
    يظهر هنوم أن الحداثة الغربية لم تتميز بانتقال التاريخ إلى مرتبة العلم بقدر ما تميزت بتمريره وتحويله إلى تخصص يضفي شرعية على بناء الأمة ومباركة الدولة. وفي المقابل، وكما يذكر في كتابه، يبقى التاريخ في الولايات العثمانية “حتى في أعمال أحمد بن أبي الضياف (1)، تابعا للدين وليس أداة رئيسية للبناء الوطني”. وقد تم تحقيق البناء الوطني هناك من دون الانفصال عن مركزية الإسلام.
    ويذكر أنه منذ القرن السابع عشر، كان ينظر إلى النظامين القائمين في تونس والجزائر على أنهما مستقلان، وكانا يتفاوضان على هذا الأساس مع القوى الأوروبية. أما الجهود التي بذلت لاحقا لتصور ووصف جغرافيا حدود المغرب الكبير، فكانت من فعل ضباط وباحثين وأعوان استعماريين فرنسيين. وقد واصل بعد الاستقلال العديد من المؤرخين المحليين والوطنيين تبني نماذج سرد ذات وحي استعماري، وكتابتها باللغة الفرنسية:
    “وهنا تكمن الحقيقة المحزنة؛ أن الفرنسية -وليس العربية- تبقى لغة دراسة المنطقة وتاريخها وثقافتها وسكانها، بل وحتى حياتها الجنسية الحميمية”.
    اختراع خرائطي
    هناك مداخل عدة تدعم فكرة الاختراع الفرنسي للمغرب الكبير. يجمع الأول بين الجغرافيا ورسم الخرائط. والخرائط هي نماذج ثقافية مصطنعة تنتجها السلطة ومؤسسات الدولة: “مثلما تحتكر الدول الإنتاج التاريخي، فإنها تحتكر إنتاج رسم الخرائط”. وبالتالي، فإن خريطة المغرب الكبير هي تمثيل رسومي أنتجته القوة الاستعمارية: “(…) المغرب الكبير نفسه ليس مجرد ابتكار استعماري فرنسي، بل هو أيضًا نتاج ومجال القوة الاستعمارية”.
    كان رسامو الخرائط الأوروبيون في القرن الثامن عشر يرسمون منطقة تسمى “بارباري”، وكانت مقسمة أحيانًا إلى وحدات متميزة (مملكة المغرب، مملكة الجزائر، مملكة تونس، مملكة طرابلس)، التي استبعدت منها مصر وأيضا “إفريقيا السوداء” (المسماة “نيغريتي”، أي ما يمكن ترجمته بـ”بلاد السود”). وإذا كانت المنطقة لم تنتظر حتى ثلاثينيات القرن التاسع عشر ليتم رسم خرائطها، فإن احتلال الجزائر وضم البلاد إلى فرنسا خلق قطيعة مع الخرائط القديمة. فمع تقدم الغزو، كان الوجود الفرنسي في الجزائر بمثابة حجة لفرنسا لتثبت نفسها أيضًا في تونس على حساب إيطاليا، وفي المغرب على حساب إسبانيا.
    لم تتأخر الخرائط في إظهار منطقة شمال إفريقيا استبعدت منها ليبيا -التي كانت آنذاك تخضع للنفوذ الإيطالي- ومصر -تحت النفوذ البريطاني. بعبارة أخرى، أريد قول إن إفريقيا تختلط بالممتلكات الفرنسية. ويرى هنوم أن “الأطالس ليست مجرد خرائط يجب قراءة علاماتها وفك شفرتها (…)”، إنها تعبر عن ميزان القوى. ولذلك لم يكن الفصل الخرائطي بين شمال إفريقيا وغربها وشرقها قائمًا على الحقائق الأنثروبولوجية المحلية، بقدر ما كان مرتبطا بالتنافس بين القوى الاستعمارية.
    نظرة جزئية لعلم الآثار
    يكمن المدخل الثاني في علم الآثار، الذي يعرف على أنه أحد أهم التخصصات المساهمة في تشكيل الهويات الوطنية الحديثة. ويشير هنوم إلى الاهتمام بالآثار القديمة في الجزائر والمغرب الكبير بقول إنه على الرغم من أن المخيلة الاستعمارية الفرنسية شملت التاريخ الإسلامي والتاريخ الروماني، فإنها تعتبر الأول على أنه “هم” بينما الثاني يتوافق مع “نحن”. وقد أسهم وجود الآثار الرومانية في الجزائر والاهتمام الذي أثاره في بناء سردية تجعل من الجزائر امتدادًا لروما، وبالتالي لفرنسا بالتماثل. وهكذا، بتفضيله لعلم الآثار الرومانية، قلل البحث الاستعماري من السرديات الأخرى؛ أي البونيقية أو العربية أو الإسلامية أو البربرية. وهكذا اعتبر العرب سكاناً غير شرعيين لأنهم أتوا من الشرق إلى منطقة كانت غربية “تاريخياً”.
    كذلك، ينحت هنوم مفهوم الدولة المؤرخة historiographic state. فابتداء من العام 1870، فرضت دولة استعمارية نفسها في الجزائر، ولم تكتف بإنتاج وسائل للمعرفة عن المستعمرة وحكمها، بل قامت بتغيير المستعمرة عن طريق، وبفضل، هذه المعرفة ذاتها. لذلك، احتل التاريخ مكانة مركزية كاختصاص يضفي الشرعية على السيادة الاستعمارية. وقد أصبح هذا النظام أكثر تعقيدا بعد ذلك بفضل مؤسسات قوية مثل جامعة الجزائر، حيث كانت تدرس شخصيات مهمة مثل ستيفان غْزيل وفرناند بروديل.
    حولت الدولة المؤرخة الجزائر إلى أراض فرنسية، وأنشأت الأسس الدلالية لما سمي بالمنطقة المغاربية. وفي هذا، تختلف هذه الدولة عن الدولة الإثنوغرافية، وهي الشكل الذي اتخذته السلطة في الأيام الأولى للغزو العسكري. فبعد العام 1870، حلت السلطة المدنية محل السلطة العسكرية، وحلت الدولة المؤرخة محل الدولة الإثنوغرافية. وحل المؤرخون محل الضباط الإثنوغرافيين في “المكاتب العربية”، وأصبحوا أعوان تأكيد أحقية الاستعمار بآثار الماضي. بعبارة أخرى، جعل التاريخ نفسه -كما هو الحال عمومًا- في خدمة متطلبات الحاضر.
    يظهر هنوم أيضا كيف تم تعميم هذا التصور من خلال الأدلة السياحية:
    “تقوم الأدلة السياحية للمغرب الكبير بتعزيز فكرة أن المنطقة تشكل وحدة متكاملة، وأنها على الرغم من المسافة والانقطاع الجغرافي بينها وبين فرنسا، تشكل استمراريتها من خلال روابط تاريخية”.
    “بومبي المغربية” (2)، هكذا ربطت أنقاض “ويليلي” المغرب بحضارة لاتينية نصبت فرنسا نفسها وريثة لها. وقد تم رسم هذا المغرب الكبير الذي يشبه صور البطاقات البريدية الجميلة التي تظهر مواقع أثرية، في شكل أدبي من قبل روائيين فرنسيين، منذ غوستاف فلوبير وصولا إلى ألبير كامو.
    اللغة، العرق، الإقليم
    يتشكل المدخل الثالث من ثلاثية “اللغة والعرق والإقليم”. حتى يومنا هذا، يعطي وصف المنطقة المغاربية أهمية مركزية للتمييز بين العرب والبربر. وقد تم تشكيل هذا التقسيم على أساس عرقي مستوحى من نظرية العرق لآرثر دو غوبينو، والتي هيمنت في أوروبا حتى ما بعد القرن التاسع عشر. ويشير هنوم إلى أنه غداة الغزو العسكري، لم يفوّت الزائرون الأوائل للجزائر -ومن بينهم ألكسيس دو توكفيل ولويس آدريان باربروغر- فرصة الإشارة إلى تنوع سكانها. وقد رأى باربروغر في سكان الجزائر ممثلين عن “العرق السامي” الوحيد، فكان يعترف أن هذا العرق يتميز بقوة تنوع مكوناته اليهودية والتركية والموريسكية والكرغلية والبربرية والعربية. وفي المقابل، وفق هنوم، اختفى في العقد التالي؛ أي بعد سنوات خمسينيات القرن التاسع عشر، وصف التنوع العرقي من الروايات لصالح التقسيم بين العرب والبربر. ويرى هنوم أن المكاتب العربية (التابعة للسلطة الاستعمارية) هي التي كانت وراء هذا التقسيم، إذ قامت بتمييز واضح بين العرب والبربر في الجزائر أولا، ثم في المغرب بعد ذلك، مع إنشاء مصلحة شؤون “السكان الأصليين” indigènes، التي خلفت المكاتب العربية.
    يرى هنوم أن فكرة إقامة حاجز بين العرب والبربر، واعتبار العربية لغة غير أصلية، يختلف عن تصور عربي للغة الذي هو أكثر مرونة، إذا عدنا في ذلك إلى تعريف ابن خلدون. ويميز هذا التعريف بين اللسان واللغة، إذ إن اللغة، هي اللغة المجردة التي يتحدث بها ويكتب بها جيل ما. أما اللسان، فهو تحديث للغة كما يمارسها السكان في الحاضر، إنها لغة الممارسة الحية والمتغيرة بالانتقال من جيل لآخر. وكان لابن خلدون، الذي كان يدرك أن اللسان قد يتغير من خلال الاتصال مع غير الناطقين باللغة العربية، مفهوم ديناميكي للغة.
    يقول هنوم في كتابه: “قام علم اللسانيات الاستعماري بعرض البربرية على أنها اللغة الوحيدة التي تعبر عن شمال إفريقيا من وسط المغرب حتى ليبيا. غير أن ’اللغات البربرية‘ تختلف عن بعضها بعضا مثلما تختلف العبرية عن العربية، والعربية عن الآرامية”.
    ووفق الكاتب، فإن جيلا جديدا من المستشرقين (هانوتو، غوتييه، لاووست) قلل من مفهوم العرق باستعمال حجة اللغة، ولكنهم في الأساس ألصقوا اللغة بمفهوم العرق، بحيث يخلقون خصوصيات جغرافية وثقافية تعادل التصنيفات الهرمية العرقية القديمة. فالمسلّمة الاستعمارية بقيت قائمة على نقاء اللغة -العربية أو البربرية- المتوافقة مع نقاء العرق. وبهذا المعنى تم وصف اللغة العربية على أنها أجنبية عن الجزائر وعلى شمال إفريقيا.
    ليس هذا أقل الغرائب التي أبرزها هنوم، مذكرا بأن إيميل فيليكس غوتييه، الذي كان المؤرخ الرئيسي لشمال إفريقيا بين العشرينيات والثلاثينيات، لم يكن يحسن لا العربية ولا البربرية. ومع ذلك فهو الذي فرض تسمية المغرب الكبير، مخصصا إياها للمستعمرات الفرنسية الثلاثة المغرب والجزائر وتونس (3). وقد صنع شرعية انخرطت في زمن بعيد لتبرير التقسيم الاستعماري بين المغرب الفرنسي الكبير وليبيا الإيطالية والمشرق البريطاني. كما قام بتهميش التاريخ العربي الذي لم يكن يصل إليه إلا من خلال الترجمات، بحجة أنه غير مفهوم للعقل الغربي وباشر في إعادة تفسير المنطقة من خلال تأكيد دور البربر وعلاقاتهم بأوروبا.
    يشرح هنوم أنه، في قراءة غوتييه، إذا كان البربر -القرويون المستقرون- “منا”، فإنهم لم يتمكنوا من تشكيل أمة لأنهم منعوا من ذلك بسبب اعتداءات العرب الرحّل. ويتجاوز الكاتب في تحليله النقدي المحللين الفرنسيين والأوروبيين، من خلال ملاحظته كيف حاول الكتاب المعاصرون، ذوو التقاليد الإسلامية و/أو الإفريقية، بناء سردية بديلة. ويخلص إلى استنتاج أن هؤلاء المنحدرين من الأوساط الإسلامية التقليدية أو القومية العربية أو من “الزنوجة”، غالبا ما قاموا بقلب الرواية الاستعمارية من دون تغييرها.

*جوليان لا كاساني: أستاذ التاريخ والجغرافيا بمدرسة ألكساندر دوما الدولية بالجزائر العاصمة. يعمل حاليا على كتاب حول تحول السكان الأمازيغ إلى اليهودية كأصل للانتشار اليهودي في شمال أفريقيا. ترجم المقال من الفرنسية حميد العربي.
هوامش:
(1) مؤرخ تونسي طليعي من القرن التاسع عشر.
(2) ملاحظة من هيئة التحرير: نسبة إلى المدينة الرومانية التاريخية بومبي التي تقع اليوم في ضواحي نابولي، جنوب إيطاليا.
(3) Emile-Félix Gautier, L’islamisation de l’Afrique du Nord. Les siècles obscurs du Maghreb, Payot.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock