أفكار ومواقفرأي اقتصادي

مقاربة جديدة مع الصندوق

لعلَّ ترتيب زيارة لرئيس الوزراء إلى واشنطن، بهدف التواصل مع صندوق النقد الدولي بشكلٍ مباشر في مقره تعدُّ بادرة مهمة لسببين؛ الأول: أنها فرصة لتخصيص وقت كامل للعمل مع خبراء الصندوق وكبار مستشاريه ومديريه على إنتاج مخرج مناسب يكفل العودة إلى مسار إصلاح اقتصادي وطني مولِّد للنمو ولفرص العمل، ومولِّد للدخل الذي يمكن من خلاله تسديد الالتزامات للصندوق ولغيره من الدائنين.
وهذه فرصة مهمة للحصول على مباركة الصندوق على ما تم من إجراءات سابقة، بما فيها قانون ضريبة الدخل الجديد، ووضعه في صورة السياسات الاقتصادية القادمة والتي من أهمها التوجُّه نحو المشروع النهضوي المرتبط بمفاصل مهمَّة في تنشيط جانب العرض في الاقتصاد، وتحقيق بعض المشاريع الكبرى عبر شراكة حقيقية مع القطاع الخاص المحلي والأجنبي.
والسبب الثاني، في أهمية هذه الزيارة، يكمن في أن يشعر الصندوق أنَّ التعامل مع الأردن بعد 6 برامج إصلاح اقتصادي منذ العام 1989، بات يحتاج إلى مقاربة جديدة. مقاربة أساسها أنَّ الاقتصاد ذو خصوصية تتجاوز الإصرار على تقليدية وصفات برامج التصحيح التي تتمحور حول سياسات وقوانين ناظمة، وإجراءات ضبط جانب الطلب، ومزيد من الضوابط التقشفية. فالتجربة مع الاقتصاد الأردني باتت واضحة أكثر من أي وقت مضى، وهي تجربة تؤكد أنه إلى جانب أي سياسات تصحيحية للتشوهات، سواء أكانت في مجال توجيه الدعم أم في إلغائه، أم فرض المزيد من الضرائب، فإلى جانب ذلك كله هناك حاجة لمساعدة الاقتصاد على سياسات توسعية تسييرية في جانب العرض، سياسات تساعد على القفز على التحديات الكبرى التي تفرضها المنطقة على مستوى الجغرافيا وعلى مستوى السياسة.
وعلى الرغم من أنَّ كافة برامج الإصلاح السابقة بدأت بديباجة واضحة حول أهمية النمو الاقتصادي وأهمية تشجيع الاستثمار، وتحريك عجلة النمو الاقتصادي، إلا أنَّ أيّاً من تلك البرامج لم تضع معايير أداء لذلك، بل اكتفت بوضع معايير أداء ومؤشرات تتعلَّق بشكل واضح ورقمي بسياسات جانب الطلب.
فكانت المؤشرات دوماً تتحدَّث عن نسب رفع الضرائب، وحجم المتأتي من تخفيض الدعم، ناهيك عن مؤشرات زيادة ضرائب المبيعات، أو مؤشرات فرض جمارك إضافية على بعض السلع من سيارات وغيرها. المطلوب اليوم، أن تكون مقاربة التعاون مع الصندوق محصورة تماماً في سياسات تشجّع على زيادة حصيلة الدولة من الإيرادات عبر مزيد من الاستثمارات التي تولّد الوظائف، وتوليد الوظائف كفيل بزيادة حصيلة الضرائب عبر تحويل العاطل عن العمل إلى دافع ضرائب، أقلها ضريبة المبيعات على كافة استهلاكاته ومشترياته. المقاربة المطلوبة مع الصندوق اليوم، أن نتحدّث عن سعي حثيث لتحسين المناخ الاستثماري، وربط ذلك بهدف رقمي يؤدي فعلاً إلى زيادة الاستثمارات الخارجية بنسبة لا تقل عن 10%، كما أشار رئيس الوزراء في حديثه عن مشروع النهضة الوطني.
وأن نتحدّث عن سعي حثيث ورقمي عن إنشاء صندوق سيادي وطني برأسمال محدَّد، وبموعد محدَّد وبحجم استثمارات محدَّدة رقماً وقطاعاً. هذه المقاربة الرقمية الجديدة في صياغة برامج الإصلاح الاقتصادي باتت هي المطلوبة اليوم، وبات من المطلوب أن تقدمها الحكومة اليوم كالتزام رقمي، كما يتمُّ تقديم الالتزامات السابقة حول رقم الضرائب المتوقّع، وحجم الدعم الذي سيزال، وقيمة العجز الذي سيوفر، وحجم المديونية التي ستقل.
نأمل أن تكون الاجتماعات القادمة مع الصندوق معنية فقط بمقاربة تنشيط الاقتصاد وتحقيق نتائج إيجابية مختلفة في القريب العاجل، المقاربة التقليدية القديمة لم تعد تنفع الاقتصاد ولم تعد تصلح اليوم.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock