ترجمات

مقامرة حيدر العبادي الخطيرة

زلماي خليل زادة* – (نيويورك تايمز) 12/4/2016

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

واشنطن- يواجه العراق ضغطاً مالياً كبيراً بينما تستعر الحرب ضد مجموعة الدولة الاسلامية “داعش”. ولعل آخر شيء يحتاجه البلد هو أزمة سياسية رئيسية. لكن ذلك بالضبط ما يبدو أنه قيد التشكل -ما لم تعمل الولايات المتحدة وإيران معاً لمساعدة رئيس الوزراء على تجنبه.
وكانت أحدث المشاكل قد بدأت يوم 31 آذار (مارس) الماضي، عندما قدم حيدر العبادي، رئيس الوزراء في العراق، حكومة جديدة إلى برلمان البلد. وكان ذلك حقه بطبيعة الحال، لكنه أقدم على اتخاذ تلك الخطوة من دون موافقة الاحزاب السياسية التي تهيمن على البرلمان. ولا شك أن معظم مرشحي السيد العبادي لدخول الحكومة هم تكنوقراط إصلاحيون، وأناس يتوافرون على شخصية قوية ومصداقية ممتازة -لكنهم لا يمثلون الأحزاب الرئيسية في العراق، فضلاً عن أنهم لا يتمتعون بدعمها أيضاً.
وكان العبادي قد أقدم على خطوته تحت ضغط كبير. فثمة استياء واسع النطاق من عدم قدرة الحكومة على معالج مشكلات الاقتصاد وطريقة الحكم. وعلى مدى أشهر، كان الناشطون والمرجع الشيعي الأعلى في العراق، آية الله علي السيستاني، يدعون إلى إجراء طائفة من الاصلاحات، بما في ذلك تقليص حجم الحكومة وتحسين الخدمات ووقف هدر النفقات ومحاربة الفساد.
بإعلانه عن حكومته الجديدة، سعى السيد العبادي إلى التفوق على القادة السياسيين في العراق، ربما لأنه اعتقد بأنه إذا عرض فريقاً مؤهلاً ومحترماً من المرشحين، فإن رد فعل ايجابياً ودعماً من آية الله السيستاني سيجبر الآخرين على الرضوخ.
لكن الأمور لم تعمل بتلك الطريقة تماماً. فهناك عدة لاعبين سياسيين يتوافرون على أتباع أقوياء في البرلمان -بمن فيهم أكراد وشيعة وسنة نافذون- يعارضون اقتراح العبادي. ويقول عمار الحكيم، زعيم المجلس الإسلامي الأعلى في العراق، الحزب الشيعي القوي، إنه إذا كانت الحكومة غير تابعة لأي حزب سياسي فيجب أن يكون رئيس الوزراء كذلك أيضاً -مما يعني أن على السيد العبادي، الذي ينتمي إلى حزب الدعوة، أن يستقيل. وسرعان ما انسحب جيولوجي كردي كان اسمه مطروحاً لشغل منصب وزير النفط، لأن ترشيحه لم يكن مقدماً من جانب أي من الأحزاب الكردية، كما قال. وثمة تكنوقراطي شيعي محترم كان اسمه قد طرح لشغل حقيبتي المالية والتخطيط، والذي سحب ترشيحه هو أيضاً.
سوف تكون مواقف حزبين داخليين وآخرين خارجيين حاسمة في تقرير ما سيأتي تالياً.
ما يزال نوري كمال المالكي، رئيس الوزراء السابق، يحتفظ بنفوذ في السياسة العراقية، وهو يستطيع إفساد عملية تعيين المجلس الوزاري. لكن بعض الدبلوماسيين والساسة المقربين من المشهد يعتقدون بأنه حتى لو كان غير سعيد ببعض الأسماء التي طرحت، فإنه سعيد عموماً بالحكومة المقترحة، لأنها تبقي على منصب رئيس الوزراء بيد حزبه، وتستثني أولئك الذين يعتقد بأنهم كانوا مسؤولين عن التخطيط لإبعاده عن رئاسة الحكومة في آب (اغسطس) من العام 2014. وسيكون آية الله السيستاني هو اللاعب الرئيسي الآخر. وستحمل مصادقته على حكومة إصلاحية قدراً كبيراً من الوزن، كما أن معارضته ستكون ضربة مميتة بالمقابل.
من جهتهم، كان الإيرانيون الذين يتصرفون كوسطاء بين المجموعات الشيعية، متشككين عموماً بالسيد العبادي، الذي يعتبرونه مقرباً جداً من الولايات المتحدة. ومع ذلك، عارضت إيران مؤخراً إزاحة رئيس الوزراء، ربما خشية أن تفضي المفاوضات المطولة حول خلافته إلى دفع الأحزاب الشيعية نحو مزيد من الانقسام، وتحويل الموارد الدبلوماسية والأمنية بعيداً عن القتال ضد “داعش”. وقد تدرك إيران أيضاً النجاح الدائم ضد المجموعة الجهادية يتطلب معالجة مخاوف السنة في العراق، بدلاً من تشجيع الطائفية.
كما لعبت الولايات المتحدة أيضاً دوراً مؤثراً في تسهيل التوصل إلى اتفاقيات بين العراقيين في الأعوام الأخيرة. وكانت للولايات المتحدة علاقة عمل جيدة مع السيد العبادي، كما أكدت زيارة وزير الخارجية الأميركي جون كيري لبغداد في الأسبوع قبل الماضي. لكن المسؤولين في واشنطن قلقون، مثل نظرائهم الإيرانيين، من أن يفضي نشوب أزمة سياسية في بغداد إلى إرجاء الحملة لاستعادة الموصل من قبضة “داعش”، كما يمكن أن تخرج الأزمة السياسية الجهود التي بذلها العراقيون للتعامل مع مشاكلهم الحالية عن مسارها.
سوف تكون المحصلة المثالية هي الاختيار السريع لمجلس وزراء كامل، والذي يكون مستقلاً عن الأحزاب السياسية، وهو أمر غير قابل للإنجاز سياسياً في الوقت الحالي. وتستطيع الولايات المتحدة وإيران مساعدة العراق في تفادي الوقوع في أزمة، عبر تشجيع القادة العراقيين على منح السيد العبادي بعض التغييرات الحكومية التي يريد -وإنما ليس كلها. ويجب أن يقايض الباقي بقبول حاسم للأحزاب السياسية. وثمة طريقة للقيام بذلك، والتي تتمثل في اتفاقية تنص على أن يسمي السيد العبادي نصف المرشحين للحقائب الوزارية الـ14 التي ينوي تغييرها، والسماح للأحزاب الرئيسية بتسمية النصف الآخر. ويمثل هذا التطور تقدماً على صعيد الإصلاح.
يجب على واشنطن وطهران على حد سواء أن تكونا مهتمتين بإيجاد حل فوري للأزمة السياسية في بغداد، وربما يترتب عليهما العمل بالتوازي من أجل التوصل إلى تسوية سريعة بين الأحزاب السياسية ورئيس الوزراء.
وتحتاج واشنطن وطهران أيضاً إلى التنسيق مع بعضها بعضا والانخراط مع القادة الإيرانيين لضمان أن لا تتحول مقامرة السيد العبادي إلى أزمة رئيسية.

* كان السفير الأميركي إلى العراق بين الأعوام 2005-2007، آخر مؤلفاته كتاب المذكرات “المبعوث”.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Haider al-Abadi’s Dangerous Gamble

abdrahaman.alhuseini@alghad.jo

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock