أفكار ومواقف

“مقاومة” نظام الفوترة!

تصعد بعض النقابات المهنية لهجتها، ذاهبة إلى إطلاق مصطلحات الوعيد والتهديد رفضا لنظام الفوترة الذي بدأ تطبيقه مؤخرا بعد نشره في الجريدة الرسمية. وتعلن نقابات المحامين والأطباء وأطباء الأسنان أنها لن تلتزم به، وهو النظام الذي يهدف إلى الحد من التهرب الضريبي.
غريب أمر هذه النقابات، فنظام الفوترة لم تقره الحكومة بشكل مفاجئ، بل مهدت له وحددت موعدا لبدء العمل بموجبه. كان الأجدى أن تعلن النقابات موقفها منه قبل إقراره، وأن تدخل في مباحثات ونقاشات مطولة لشرح خصوصيتها التي تتحدث عنها، فليس من المعقول أن تفتح النار الآن على النظام، وأن تكون بمثابة الشرارة التي ستدفع قطاعات أخرى لرفض تطبيقه لاحقا، وكأننا نقول نعم للتهرب الضريبي.
ما تسوقه هذه النقابات من خصوصية في عمل أعضائها لا يعفيها من التوجه إلى الحكومة للحوار معها على بعض التفاصيل. ومهما كانت الأسباب التي ستسوقها في مؤتمرها الصحفي المقرر عقده اليوم، فهذا لا يعفيها من مسؤولية الحرص على محاربة التهرب الضريبي، وأن تكون داعما له بدلا من التوعد برفض تطبيق نظام الفوترة.
المحامي ليس تاجرا. هذا ما تؤكده نقابة المحامين كتبرير لرفض نظام الفوترة. هذا صحيح، المحامي ليس تاجرا، لكن الضريبة لا تستحق فقط على التجار وإنما على مقدمي الخدمات، وأعضاء هذه النقابات يقدمون خدمات تخضع لقانون الضريبة.
في المقابل؛ فإن استسلام الحكومة لهذا الضغط الذي تمارسه النقابات لن يكون في صالحها، لأن ذلك سيكون بمثابة ثورة كاملة على النظام، ستقود بالتأكيد إلى فشل في تطبيقه، ما يترك الساحة مفتوحة أمام كل من تسول له نفسه بالتهرب من الضريبة، وبالتالي سيؤدي إلى عدم قدرة الحكومة على تحسين تحصيل الإيرادات الضريبية من فئات “ابتكرت” بعض الأساليب لتبرير عدم قدرتها على الالتزام بنظام وطني يهدف إلى تنظيم تحصيل الأموال العامة، ما سيدفعها لعدم دفع ما يترتب عليها من أموال ضريبية بطريقة أو بأخرى.
عدم حسم الحكومة موقفها تجاه التصعيد النقابي المتوقع يعني أن حالة الرفض مرشحة لأن تتوسع لتشمل نقابات أخرى؛ كنقابة المهندسين والمكاتب الهندسية، والصيادلة والممرضين، وغيرها من القطاعات، ما يعني انهزام بنية النظام والعودة إلى المربع الأول، ونتيجة ذلك حتمية وتتمثل في خسارة أموال كانت سترفد خزينة الدولة.
لا شك أن تطبيق النظام مع الوقت سيؤدي إلى ظهور تفاصيل تدفع باتجاه حتمية تعديله أو تطويره، وهذا أمر ضروري حتى يكون نظاما مثاليا يراعي جميع الفوارق في مختلف القطاعات، وفي ذات الوقت يحقق أعلى درجات الغاية منه، وذلك لن يتأتى إلا مع مرور الوقت، أو من خلال التغذية الراجعة من ملاحظات ستقدمها هذه القطاعات للحكومة للوصول إلى توافق عليها، وهذا الأسلوب الأكثر نجاعة من الذهاب إلى لغة التصعيد وممارسة “لعبة كسر العظام”.
ربما تكون هذه النقابات على حق، لكن عليها أن تدرك أن الاختلاف أصل العمل بالأشياء، وخوضها معركتها مع الحكومة بهذا الشأن يجب أن يبدأ من خلال طاولة الحوار بدلا من عقد مؤتمر صحفي قد يكون الهدف منه “فرد العضلات” لا غير!.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock