رأي في حياتنا

“مقعد الموتور”

قبل أن أصبح محدث نعمة كنتُ أركب حافلات النقل العام. كان هذا بعد انتهاء الحرب الباردة بسنوات قليلة، عندما كنتُ ابناً لأب شيوعيٍّ فقير، خذله الاتحاد السوفييتي الذي تفكّك إلى دول ومظلات حزبية في العالم الثالث عشر. في يمين الحافلة المتوسطة هناك مقاعد فرديّة تتيح حريّة السَّرَحان، وفي يسارها مقاعد زوجيّة لم تؤدِّ إلى الزواج كما يحدث دائماً في السينما المصريّة، ومقعد أخير مزدوج للعائلات التي نشأت قبل دخول النظام العالميّ الجديد حيّز التنفيذ، وهناك شبه مقعد، بين المقعد الفرديّ الأماميِّ، ومقعد السائق، وتوافق السائقون ومحصّلو الأجرة على تسميته بـ”مقعد الماتور”، نسبة إلى مكانه فوق محرّك الحافلة.. الحديثة أو المهترئة.
حين تكون الحافلة حديثة، إذا كانت سنة الصنع بعد حرب الخليج الثانية، يكون مقعد الموتور جيّداً: صندوق خشبي فوقه اسفنجة قاسية، وهناك زركشات ونقوش قماشية لا تؤثر على أريحية الجلسة، أو مقعد صغير بنصف مسند متحرّك إلى نحو نصف الظهر. أما حين تكون الحافلة مهترئة، وتعود سنة الصنع إلى مقدمات حرب الخليج الأولى، فلا شيء يفصلكَ عن حركة الموتور المضطربة، وحرارته المرتفعة، وصوته المزعج، سوى سجّادة صلاة. كان مقعد الموتور حكراً على الشباب الصغار، الذين تنازلوا أو أرغموا على التنازل عن مقاعدهم الفردية أو الزوجية للنساء وكبار السن، وطالبات الحياة أو الشريعة. كان السائقُ يرحّبُ بي بتذكيري بامتياز الجلوس إلى جانبه، وبأنّي سأكون أول الواصلين!
كان الجلوس بجوار السائق امتيازاً حقيقياً، فقد أتيح لي دون عشرين راكباً أنْ أستمع إلى مغامراته غير المؤكدة على طريق طريبيل، وأنْ أعرف آراءه السياسية الحادّة ضدّ عمليّة السلام، مع ضرورة أنْ أهزّ رأسي مؤيّداً أو مندِّداً، وأنْ تندهش ملامحي على أن يتمّ تحييد الحاجب. أخذتُ بفخر محدود، دور السنيد للسائق، فكنتُ أحمل له كوباً بلاستيكياً مملوءاً بالقهوة السائلة، أو أبحث عن علبة سجائره المحلية الصفراء التي سقطت بعد صعود متهوّر للمطب، أو أنْ أبدِّلَ شريط الكاسيت حسب أحواله العاطفية سريعة التقلُّب، غير أن كلّ هذه الامتيازات كان لها ثمن غال، فقد كان السائق يستعين بي لأداء يمين كاذب أمام رقيب السير.. على أن يتم تحييد الحاجب!
كبرتُ وتراجعتُ إلى المقاعد الفردية والزوجية، ثمّ طرأتْ عليّ النعمة واستغنيتُ عن كلّ وسائل النقل العام. لا أعرف الآن أحوال مقعد الموتور، والإضافات التي طرأت عليه، وأجهل تماماً الخصائص الجديدة للسائقين وآراءهم الحادة في الحروب الساخنة التي استجدّتْ، فلا بدّ أنها أتاحت لهم فرصة تأليف مغامرات يصعب تصديقها، لكنها مسلية بالطبع، ويمكن أن تختصر الطريق من صويلح إلى الرصيفة. سيارتي الآن بعد النعمة، يابانية حديثة، تعود سنة صنعها إلى حرب لم تقع بعد، فرشها جلدي فاخر، وهناك نافذة في السقف، ومكان مخصص لكوب النسكافيه، وشاشة متعددة الأغراض، وإذاعات بجودة صوت عالية تكذبُ كما يكذبُ سائق على طريق طريبيل. كلُّ شيءٍ كما يحبُّ محدث نعمة، إلا هذا الشعور الغريبُ بأنّي أصل متأخّراً.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock