أفكار ومواقفالسلايدر الرئيسي

مكاشفة الكباريتي .. من يسمع؟

سلامة الدرعاوي

“أعتقد المطلوب هو ترميم جسور الثقة بين كافة الأطراف المُتأثرة والمؤثّرة” .
بهذه العبارات البسيطة يكون السياسي المخضرم رئيس الوزراء السابق عبد الكريم الكباريتي وضع يده على أصل المشكلة الراهنة بين الشارع ومؤسسات الدولة المختلفة، فالثقة للأسف معدومة، وهذا ما كشفته جائحة كورونا، وكيفية تعاطي المجتمع مع الخطاب الحكومي.
حديث الكباريتي وهو المقل في أحاديثه الاعلامية لصحيفة رأي اليوم اللندنية فيه تشخيص عميق لمشهد العلاقة بين اطراف المعادلة السياسية والاقتصادية في المملكة، والتي هي ليست وليدة جائحة كورونا، وانما هي امتداد لسياسات تراكمية امتدت لأكثر من عقدين من الزمان، ساهمت بانهيار تدريجي لجدار الثقة والذي نسفته العملية السياسية والاقتصادية التي نفذت هذا الجدار وانتزعته انتزاعا من المواطنين تجاه حكوماتهم ومؤسساتهم المختلفة .
سياسيا، باتت لغة المال تسيطر على مشهد الانتخابات، والذي يملك المال بات هو من يملك المقعد النيابي للأسف، ناهيك عن عمليات انتخابية شابها التزوير والتحريف في إرادات الناخب، كلها جعلت الثقة مفقودة في النهج السياسي ومؤسساته المنتخبة .
اقتصاديا، كل خطابات الحكومات المختلفة بتحسين الوضع ومعالجة المديونية والعجز وتوسيع قاعدة المنتفعين من العملية التنموية في المحافظات ومحاربة جيوب الفقر ومكافحة البطالة كلها باءت بالفشل الذريع، رغم ان الحكومات رفعت الدعم وباعت الاصول ورفعت الاسعار وزادت الضرائب والرسوم، وباتت جيوب المواطنين وايرادات القطاع الخاص الملاذ الآمن والسريع لسد عجز الموازنة، وتمويل نفقات الحكومة المتزايدة، وهذا سبب رئيسي في عدم ثقة المواطنين بالخطاب الاقتصادي الحكومي.
خطر كورونا انتقل الآن من مرحلة التخدير والاحاطة الى العمق، فالـ”فاس وقعت بالراس” ، فإيرادات الخزينة في حالة تراجع مستمر، والضغط متزايد على الخزينة للاستجابة لمتطلبات التمويل الإنفاقي الكبير والمتزايد شهرا وراء شهر، وقطاعات اقتصادية باتت في مهب الريح، ومؤسسات وشركات القطاع الخاص تضع أسوأ السيناريوهات لإعادة هيكلة أعمالها تبدأ بتسريح عمال لديها، مما يعني زيادة في معدلات البطالة والفقر، مقابل جفاف شبه كامل للمنح الاستثنائية التي على ما يبدو ان عصرها قد ولى في ضوء انشغال العالم بمكافحة الجائحة التي عصفت باقتصاديات دول العالم المختلفة .
الخذلان الذي تحدث عنه الكباريتي الذي يحظى بمصداقية عالية بين النخب السياسية في المجتمع من تبرعات صندوق همة وطن وخاصة من المغتربين هو نتيجة طبيعية لفقدان تلك الثقة، إضافة لضعف التنسيق والاتصال الرسمي المتواصل مع هذه الشريحة من المجتمع والتي تمتلك من الموارد ما يؤهلها للعب دور تنموي مفصلي لو أحسن الاتصال معها بشكل مؤسسي واضح وضمن خطة عملية تحفزهم على الاستثمار في المملكة .
حديث الكباريتي فيه اشارة واضحة لكل مفاصل العملية السياسية في الدولة ، ورسالة بإعادة إنتاج جديد لخطاب الدولة السياسي والاقتصادي، من خلال عملية شاملة تؤدي الى خلق مؤسسات رسمية قادرة على اعادة ترميم جدار الثقة مع الشارع، من اجل تعزيز المسؤولية المشتركة في مواجهة التحديات الجسيمة المقبلة ،وهذا يحتاج لفريق عمل يملك مفاتيح الاتصال والمصارحة مع الشارع والحديث معه بكل مصداقية، وأختم مقالي بحديث الكباريتي:” نحتاج إلى مكاشفة حقيقية لواقع الحال وما يحمله المستقبل سياسيا واقتصاديا واجتماعيا ومتطلباته. والمشاركة الحقيقية في صنع القرار في وجه هذه الاحوال”.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock