آخر الأخبارأفكار ومواقفالغد الاردني

صفقة القرن: التحدي الأخطر!

أوقات انتظار عصيبة تمرّ بها المنطقة، وهي تنتظر ما سيصدرُ عن السيد الأميركي في البيت الأبيض من وعود جديدة، ومدى تأثيرها على مستقبل الصراع في المنطقة، خصوصا بعد أن استتب الأمر لرئيس وزراء دولة الاحتلال بنيامين نتنياهو، وفاز بولاية جديدة في الحكم، سيحاول من خلالها السير ببرنامجه في قتل حل الدولتين.
المنطقة تبدو برمّتها أشبه بأنقاض، فالدول العربية تعيش أزماتها الداخلية المتمثلة بلملمة التأثيرات الكارثية التي أنتجها ما يسمّى “الربيع العربي” وارتداداته الخطيرة، أو تلك التي تعيش الموجة الثانية منه. أما الدول المستقرة وشبه المستقرة، فهي تحاول إعادة التموضع من جديد، واستشراف نوع جديد من الائتلافات والتحالفات، وهي كسابقاتها تعاني أيضا من تأثيرات الربيع العربي، خصوصا على بناها الاقتصادية، وأيضا على تحالفاتها التي كانت قائمة قديما.
الدول غير العربية، وهي الأكثر استقرارا في المنطقة، والمتمثلة بإيران وتركيا، تغرق كل واحدة بمشاكلها أيضا، إيران المتورطة في سورية واليمن ولبنان، تعيش هاجس العقوبات الأميركية الجديدة، والتي من الممكن أن تؤثر كثيرا في بنيتها الاقتصادية، ويحد من تأثيراتها الخارجية، أو على أقل تقدير يجبرها على إعادة التموضع حسب خطط جديدة.
تركيا، هي الأخرى متورطة في سورية، وتحاول أن تمنع حزب العمال الكردستاني من تحقيق أي مكتسبات على الأرض يمكن أن تمهد لبناء ما يشبه الكيان المستقل، وهي بهذا المعنى معنية بالحرب، وتحاول الحفاظ على جيوب لها في الداخل السوري، ما يعني أنها منخرطة بالحرب فعليا.
في ظل هذا الوضع الإقليمي غير المستقر، وفي ظل شعور إسرائيلي بالانتصار في مختلف ملفات الصراع، يقف الأردن والفلسطينيون وحدهم في حسابات الخسارة التي يمكن أن تلحقها بهم الصفقة التي بدأ العد التنازلي للإعلان عنها. إسقاط حل الدولتين، وما يتركه من سيناريوهات لمصير الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة، يفتح الباب واسعا أمام مخاطر عديدة قد تتدفق على الأردن، خصوصا أن اليمين الإسرائيلي المتطرف لا يخفي نزعته العدائية الخالصة، والتي أنتجت مخططات عديدة، من ضمنها “الترانسفير” الذي قد تنفذه عصابات صهيونية.
والأمر الآخر المطروح، هو إعلان السلطة الوطنية الفلسطينية حلَّ نفسها، وهو ما يعني إعادة انتشار لجيش الاحتلال في مناطق السلطة، وإعادة حكمه المباشر لها.
الصفقة التي ما تزال بعض بنودها غامضةً حتى اليوم، كشفت من البنود ما يكفي لأن تكون غير مرغوبة أردنيا، خصوصا أنها بدأت باعتراف أميركي بـ”القدس الموحدة” عاصمة للكيان المحتل، وأن تكون أبو ديس عاصمة للدولة الفلسطينية. ورغم منح الأردن إدارة خاصة على الأوقاف والحرم الشريف، إلا أن ذلك لا يلبي الرغبة الأردنية بأن تظل وصايته قائمة على جميع المقدسات في القدس. في الجهة الأخرى تقدم الصفقة مقترحا بتوسيع قطاع غزة، وأخذه من شبه جزيرة سيناء مساحات إضافية لتوسيع القطاع.
الأمر الذي يشكل صفعة للسلام من وجهة النظر الأردنية، هو الخطوات العملية على الأرض التي تنسف جهود السلام، وتسير وئيدا في هدم حل الدولتين، خصوصا أن التسريبات تقول إن الصفقة تعترف بشرعية المستوطنات القائمة في مناطق الضفة الغربية المحتلة، والتي يسكنها زهاء مليون مستوطن، وهذا الأمر عمليا يمنع قيام كيان فلسطيني مستقل، خصوصا مع القول إنه لا يمكن أن تكون هناك سيادة فلسطينية كاملة على الضفة الغربية المحتلة، وأن الأمن سيظل في يد إسرائيل، وهو عمليا ما لا يغير شيئا من معادلة الوضع الراهن.
الأمر الآخر الذي ينظر إليه الأردن بريبة كبيرة، هو المحاولات الحثيثة لإنهاء عمل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) في مناطق عملها الخمس، بما فيها الأردن، والذي يأوي نحو 2.3 مليون لاجئ فلسطيني، ستوقف الأونروا خدماتها عنهم، ما يحوّل مسؤوليتهم الكاملة إلى الأردن، خصوصا أن الصفقة التي تلغي هذه الوكالة، تعمد أيضا إلى إنهاء حق العودة، أو حصره بعدد قليل من اللاجئين.
كل ذلك يتم بناء على وعود مالية يتم استثمارها في مناطق الضفة الغربية، وفي الدول التي يتواجد فيها لاجئون فلسطينيون.
الأردن، ومنذ البداية، عبّر عن رفضه القاطع لما تبين من بنود لصفقة القرن، خصوصا مسألة العاصمة الموحدة، والتي تلغي أي سلطة للعرب على المدينة المقدسة، وأيضا إلغاء وكالة الأونروا، والتي تعمل واشنطن على تجفيف منابع تمويلها منذ فترة طويلة.
الأردن يعتبر أن أي صفقة أو مبادرة لا تأخذ باعتبارها الأبعاد التاريخية للصراع، ولا تحاول حل هذا الصراع على أساس الشرعية الدولية والقرارات الأممية، وعلى أساس العدالة والإنصاف، سوف لن يكتب لها النجاح، وسوف تظل قاصرة عن فرض أي حل، كما أنها لن تنهي الصراع والعنف في المنطقة، بل ستضع عليه وقودا إضافيا لمزيد من الاشتعال. لذا لا بد من مسؤولية فلسطينية عربية إسلامية ودولية لمواجهة كل تلك الأخطار، لمنع تغيير تركيبة المنطقة برمتها.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock