فكر وأديان

ملاحظات تاريخية حول الموالد والمواسم

أسامة شحادة

ظاهرة الاحتفال بالمناسبات الدينية ظاهرة قديمة تعرفها الأمم الوثنية السابقة على المسيحية والإسلام، وقد تنبّه لها علماء التاريخ فدونوا أخبارها وطقوسها والتوظيف السياسي لها، وتنبه لها كذلك علماء الاجتماع فبينوا أصول هذه المناسبات وأنها ترتبط بما سبقها في التاريخ القديم، وبمناسبة اقتراب ذكرى المولد النبوي وعيد الميلاد جمعت هذه الملاحظات التاريخية عن ظاهرة الموالد بعامة.

  • لا يوجد سند علمي لتحديد موعد لعيد الميلاد أو المولد النبوي، وإقامة الاحتفالات تمت بعد عدة قرون من ميلادهما:
    تقرر دائرة المعارف الكتابية (ج4 ص 258) أنه “لا يمكن أن نحدد بدقة اليوم والشهر اللذين ولد فيهما يسوع، فقد كانت هناك معارضة شديدة جداً -في الكنيسة الأولي- للعادة الوثنية في الاحتفال بأعياد الميلاد… وقد اختارت الكنيسة الشرقية يوم السادس من يناير للاحتفال بميلاد يسوع. وربما كان سبب اختيار الكنيسة الغربية ليوم 25 ديسمبر، هو أن الرومان كانوا يحتفلون في ذلك اليوم بعيد إله الشمس… وقد اختارت الكنيسة هذا اليوم لتحويل العادات والممارسات الوثنية إلى يوم لعبادة الرب يسوع المسيح… ولكن سهر الرعاة المتبدين على حراستهم لقطعانهم على تلال اليهودية يتعارض مع احتمال ولادة يسوع في الشتاء”، أما بخصوص المولد النبوي فيقول الحافظ السخاوي في فتاواه “عمل المولد الشريف لم يُنقل عن أحد من السلف الصالح في القرون الثلاثة الفاضلة، وإنما حدث بعد ذلك”، ويقول العلامة محمد بخيت المطيعي، مفتي الديار المصرية في زمانه “مما أحدث وكثر السؤال عنه الموالد، فنقول: إن أول من أحدثها بالقاهرة الخلفاء الفاطميون، وأولهم المعز لدين الله”، وكان أول احتفال بالمولد النبوي في العام 362هـ كما أثبت ذلك المقريزي والقلقشندي.
    ولا يتفق المحققون من العلماء في تحديد موعد ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم إلا على أنه ولد في عام الفيل وفي يوم اثنين، وما سوى ذلك فمختلف فيه، وقد قام د. إسماعيل سامعي في كتابه “تاريخ الاحتفال بالمولد النبوي الشريف في العالم الإسلامي والجزائر” ص 99 بعمل جدول لتواريخ الاحتفال بالمولد النبوي بحسب المراجع التاريخية في مصر والشام والعراق بين سنوات 796هـ – 868هـ فظهر التباين في تحديد أي يوم هو من شهر ربيع الأول حيث احتفل فيه في الأيام التالية: (1، 2، 4، 5، 7، 8، 10، 11، 12، 13، 15، 16، 17، 25، 27، 28)!!
  • الغاية السياسية كانت هي الدافع الأساسي لظهور فكرة المولد النبوي زمن دولة العبيديين الشيعة وتقليد بعض حكام السنة لهم:
    أورد المقريزي والقلقشندي في كتابيهما قيام العبيديين الفاطميين على تأسيس ستة موالد (النبوي، علي، فاطمة، الحسن، الحسين، الخليفة الحاكم بأمر الله)، وهو أمر مخترع لم تكن تعرفه مصر السنية ولا غيرها من البلاد قبل استيلاء العبيديين الشيعة على مصر سنة 358هـ.
    يقول الشيخ حسن السندوبي في كتابه “تاريخ الاحتفال بالمولد النبوي: من عصر الإسلام الأول إلى عصر فاروق الأول” أن المعز لدين الله لما استولى على مصر بحث عن وسيلة يستميل فيها الناس لمذهبه وطريقته الشيعية فـ”رأى المعز لدين الله أنّ أقرب الأسباب للوصول إلى أغراضه من هذا الميل العام الالتجاء إلى الأمور التي تمتّ بصلة إلى المظهر الديني، فهداه تفكيره إلى أن يقرر إقامة مواسم حافلة وأعياد شاملة في مواعيد مقررة وكان من أولها وأجلّها وأفضلها الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف”.
    وقد أبطل الأفضل ابن أمير الجيوش (ت 515هـ) احتفال المولد ثم أعادها الخليفة الفاطمي الآمر بعد أن كادت تُنسى سنة 524هـ، وبعد القضاء على دولة العبيديين على يد صلاح الدين الأيوبي سنة 567هـ قام بإبطال جميع احتفالات الفاطميين الشيعة لما لها من أبعاد سياسية شيعية حيث تبين ذلك في سلسلة الانقلابات الفاطمية الفاشلة عليه.
    ومعلوم أن الحكام يتابع بعضهم أمور بعض، ولما تميز الفاطميون الشيعة بجهاز قوي ومنظم للدعاية السياسية كانت من وسائلها استغلال فكرة الاحتفالات الدينية فإن بعض حكام السنة قلد الفاطميين في استحداث احتفال للمولد النبوي، يقول السندوبي: “تم إحياء الاحتفالات بالمولد النبوي على يد حاكم أربيل مظفر الدين كوكبوري، وكان متزوجاً من ربيعة خاتون أخت صلاح الدين الأيوبي ومرتبطاً معه بحلف سياسي قوي. كوكبوري، ورغم كونه سنياً معارضاً للتشيع، التمس في الاحتفال بالمولد النبوي وسيلة للدعاية السياسية القوية لدولته الصغيرة” وذلك في بداية القرن السابع الهجري كما يقرر الإمام السيوطي.
    بل حتى الاحتلال الفرنسي لمصر على يد نابليون في سنة 1798م حرص على إقامة احتفال المولد لكسب قبول المصريين للاحتلال! يقول المؤرخ المصري المعروف عبد الرحمن الجبرتي في كتابه “عجائب الآثار في التراجم والأخبار” أن قائد جيش نابليون استفسر من الشيخ خليل البكري نقيب الأشراف عن سبب عدم إقامة احتفالات المولد النبوي حيث صادف احتلالهم مصر موعده؟ فبرر ذلك بسبب الاحتلال وتوقف الأعمال وقلة الأموال، فلم يقبل منه ذلك وأمر بإقامة الاحتفالات وأعطاه 300 ريال فرنسي من أجل النفقات، وشارك نابليون شخصياً وجنوده في الاحتفال!
    ومن التوظيف السياسي المعاصر لاحتفالات المولد النبوي مشاركة السفراء الغربيين في احتفالات بعض الطرق الصوفية في عدة دول.
  • ظهور الموالد الأخرى وجذورها التاريخية:
    عرف كثير من الدول -خاصة مصر- ظهور احتفالات وموالد للأولياء لدى الطرق الصوفية في وقت متأخر، ويرى المستشرق ماكفرسون في كتابه “الموالد في مصر” أن ظاهرة الموالد ظاهرة اجتماعية قديمة في مصر، وتعود جذورها إلى احتفاء قدماء المصريين بآلهتهم، وأن هذه الموالد في مصر اليوم نشأت في القرن السابع الهجري بشكل شعبي ثم في القرن التاسع دخلت تحت الإشراف الرسمي للسلطة التي رأتفيها وسيلة لإلهاء الشعب عن معاناتهم وحرمانهم!
    وكانت البداية بحسب ماكفرسون بمولد أحمد البدوي في طنطا، والذي توفي سنة 675هـ، وقد شكل احتفال أهل طنطا بمولد البدوي غيرة ومنافسة لدى سكان مدينتي دسوق ودمنهور مما حدا بهم إلى إقامة مولد لإبراهيم الدسوقي، ثم تنافست المدن أو المنتفعون من الموالد وانتشرت هذه الظاهرة.
    يؤكد ماكفرسون أنه لا يوجد تأكيد لصحة تواريخ مولد هؤلاء المحتفى بهم أصلا، وإلى أن الاحتفال لا يقام بشكل ثابت في كل عام بل هو عرضة للتبدل إما بسبب قلة الأموال أو تعارضه مع مناسبات أخرى! والغريب أنهم يحافظون على إقامة الاحتفال بيوم معين من الأسبوع ولو تغير التاريخ، فمثلاً مولد زينب يقام في يوم ثلاثاء دائماً، ويدلل ذلك على أن هذه الموالد لا سند تاريخيا علميا لها ولا سند شرعيا.
  • القبول والرضا باحتواء الموالد على ما يصادم الدين تماماً:
    ومن أصرح وجوه ذلك ما زعمه الشعراني أن رجلاً اعترض على ما يجري في مولد أحمد البدوي فسلب منه الإيمان “فلم يكن فيه شعرة تحن إلى دين الإسلام فاستغاث بسيدي أحمد فقال: بشرط أن لا تعود، قال نعم، فرد عليه ثوب إيمانه ثم قال له: … وعزة ربي ما عصى أحد في مولدي إلا وتاب وحسنت توبته”، ويقول الشعراني أيضاً: “فإياك أن تعترض على موالد الأولياء التي يجتمع فيها الخلائق ويقع فيها ما لا ينبغي من اللعب واللهو والمزمار”، وفي هذا الكذب الصريح إقرار ورضا بكل المنكرات الواقعة في الموالد ومنع للمصلحين من الاعتراض عليها والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولذلك تتفاقم الأمور كل سنة في احتواء هذه الموالد على الكثير من أنواع الفسق والفجور، وقد سجل ذلك المؤرخون من المسلمين والمستشرقين.
    يصف الجبرتي ما يجرى من فساد في مولد ولي صغير هو عبد الوهاب المرزوقي فيقول: “يختلط به الرجال والنساء، وينصبون فيه خياماً كثيرة وصواوين ومطابخ وقهاوٍ، ويجتمع العالم الأكبر من أخلاط الناس وخواصهم وعوامهم وفلاحي الأرياف وأرباب الملاهي والملاعب والغوازي والبغايا والقوادين والحواة، فيملؤون الصحراء والبستان، فيطؤون القبور، ويتغوطون ويزنون” (ج1 ص 287).
    أما المستشرق إدوارد وليم لين مؤلف كتاب “المصريون المحدثون شمائلهم وعاداتهم” فيصف ما رآه في المولد النبوي في العام 1834م أنه في ليلة المولد تجمع الناس للاستماع إلى الشعراء ومشاهدة المشعوذين والهزليين، ومشاهدة الألعاب البهلوانية للغجر كاللعب والرقص على الحبل، والألعاب السحرية!!
    وقد قام السفير الهولندي في مصر نيكولاس بيخمان بتأليف كتاب مصور بعنوان “الموالد والتصوف في مصر” سنة 1988م، أورد فيه صور اختلاط النساء بالرجال والرقص بينهم وعدم التزام الحجاب وصورا من عروض السحر وخفة اليد.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock