أفكار ومواقف

ملاحظات على “الباص السريع”..

قد لا يرى المواطن العادي اللوجستيات والفنيات والحكمة التنفيذية التي يعرفها التقنيون لدى تنفيذ المشاريع الإنشائية الكبيرة. لكن من حقّه، كمتأثر حتمي من طريقة التنفيذ، أن يتساءل عما إذا كان المخططون والمنفذون قد حسبوا حساباً مخلصاً لمعاناته خلال التنفيذ. إنك لا تستطيع أن تتذرع بأهمية المشروع المعنيّ لإهمال العناية بتسهيل حياة الناس، خاصة إذا كانت الفترة طويلة وبعض وسائل التيسير في المتناول –أو أنها تبدو كذلك.
ينتمي مشروع “الحافلات سريعة التردد” الجاري تنفيذه في عمان الآن إلى النوع الذي يؤثر يومياً على عشرات الآلاف من سكان العاصمة على الأقل. وهو يتسبب في قدر كبير من الضيق، مع انطباع بأن جهوداً جادة لم تُبذل لتخفيف هذا الضيق. وقد اعتدنا في إنشاءات الطرق والبنية التحتية عندنا –من تمديد أنبوب إلى تعبيد شارع- ألا تكون راحة مستخدم الطريق ضمن الأولويات. وسوف أصف انطباعاتي وتساؤلاتي عن سوية العمل في قطاع صغير فقط من مسار “الباص السريع”، هو المسافة بين إشارة مسجد الجامعة الأردنية ومستشفى الجامعة الأردنية. ولا بد أن يكون لدى كل مستخدم للشوارع التي يمر بها المسار ملاحظاته الخاصة عن الطرق التي يستخدمها ويمر بها المسار.
كبداية لم تكن مبشرة، تم تنفيذ جزء من مسار الباص قبل سنوات، بين مستشفى الجامعة ونفق “الرأي” تقريباً. وتوقف المشروع فترة طويلة، بعد أن حجز مساحة من حرم الشارع وضيقه على حركة السير. وبمرور الوقت، حتى تأثيث هذا المقطع تأثر بطول الفترة وتآكل من دون استخدام. وعنى ذلك التعثر الأول أن المخطط لم يكن قد حسب كل الحسابات جيداً قبل بدء التنفيذ الذي توقف طويلاً بعد خطوة واحدة.
ولنعُد إلى المسافة القصيرة التي لا يتجاوز طولها بضع مئات من الأمتار، بين إشارات مسجد الجامعة الأردنية ومستشفى الجامعة، وسوف يجِدُ المارُّ من هناك الكثير مما يوجب التساؤل. وفي الأساس، يستغرق قطع هذه المسافة بالسرعة العادية –مع عيوب الطريق السابقة- بضع دقائق فحسب، لكن قطعها أصبح يستغرق ثلث ساعة إلى نصف ساعة، مع الكثير من موجبات التوتر ودواعي الحوادث والتحسُّب.
أولاً، يمتلئ الشارع الذي تستخدمه المركبات، خارج مسار “الباص”، بالحفر حتى يبدو السير عليه مثل الضرب في الوعر. وبالتأكيد، لا أحد يتحمل المسؤولية عن الأضرار الفنية التي تصيب المركبات من القفز، ولا عن نتائج الحوادث التي يغلب أن تنجم عن سوية الطريق. ثانياً، يتسع الطريق ويضيق بلا توقف بحيث يختنق السير كل الوقت. ثالثاً، كثيراً ما لا تُضاء مصابيح الإنارة في الليل، مما يضاعف احتمالات المفاجآت السيئة، خاصة للذين لا يعرفون الطريق متغير التضاريس. رابعاً، يعاني المشاة الذين يريدون عبور الشارع، والكثير منهم من طلبة الجامعة أو مرضى وزوار المستشفى، حتى مع وجود الكثير من الإشارات الضوئية الجديدة التي معظمها لا تعمل، وإنما وُضعت بلا داعٍ كما يبدو. خامساً، الشارع المستخدم في الاتجاهين غير مخطط، ويجعل المركبات تسيل على بعضها وسواقوها يجاهدون لتجنب الاصطدام مع جيرانهم المتوترين مثلهم. سادساً، الحواجز الإسمنتية التي تحد مسار الباص موضوعة بارتجال عجيب، حيث تذهب متعرجة متلوية تبرز وتغور، وتخرج منها العاكسات الحديدية مثل الرماح التي تهدد بقطع جانب مركبتك إذا دفعك إليها جارك أو لم ترها في الليل. سابعاً، تبدو حالة أصحاب المحال على جانب الطريق بائسة، ويكاد يستحيل الوقوف بأبوابهم لشراء حاجة أو خدمة، لأشهر وربما سنوات.
أسئلة. إذا كان الشارع على جانبي مسار الباص سيظل هو هو ولن يُنقل إلى مكان آخر، لماذا لا يتم إنجازه بشكله النهائي أولاً بعد حجز مسار الباص، بمعنى تعبيده وتخطيطه وإنشاء أطاريفه وأكتافه وإنارته، وترتيب شيء لرواد المحلات، ثم ينحصر العمل بعد ذلك داخل مسار الباص المغطى بحواجز جانبية؟ لماذا لا تكون حدود مسار الباص مستقيمة وآمنة من الجانبين؟ لماذا يستغرق العمل في هذا المقطع القصير أشهراً، وربما سنة أو أكثر، ولا يكاد المار يلحظ تغييراً يُذكر يوماً بعد يوم؟ لماذا لا توضع جسور مؤقتة لعبور المشاة، كجزء من كلفة المشروع طويل المدة، لتأمين المشاة؟ ولماذا لا ينار الشارع بأكثر من المعتاد كمنطقة إنشاءات متغيرة المعالم؟ والكثير من الأسئلة!

مقالات ذات صلة

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock