أفكار ومواقف

ملاك يمشي على الأرض

كانت تعمل في إحدى الدوائر الحكومية، بمنطقة العبدلي في عمان، وكان وقتها أوائل صيف العام 2008، عندما رأت عيناي، ولأول مرة في حياتي، ملاكا يمشي على الأرض، بين أروقة وساحات تلك الدائرة.
حينها، كان قد مضى من أيام عمري حوالي ستة وثلاثين عامًا، ولم أكن أتصور، في حياتي أبدًا، أنني سأشاهد، ملاكا يمشي على الأرض، وخصوصًا في منطقة العبدلي، حيث الضوضاء والفوضى والازدحامات المرورية.. كنت أسمع عن ذلك بالقصص والروايات التي اعتبرها خيالية، وأحيانًا يُحدثني بعض الأصدقاء، بأنهم يشاهدون ملاكا بمناماتهم وأحلامهم.
عندما رأيتها لأول وهلة، أحسست برعشة تدخل ما بين عظمي ولحمي.. رعشة أخلت بتوازن جسدي النحيل، الذي كان لا يزن وقتها أكثر من 64 كيلوغرامًا.
بدأت أخلق الفرص، لكي أنظر إليها خلسة، كأنني لص جبان.. فحولها أناس أو مجتمع، عندما يرى شخصا ما يطرح تحية على فتاة، فإنه يقوم بتأويل ذلك ألف ألف تأويل وتأويل.
وبدأت أبحث عن اختلاق حجج واهية وتافهة وأخرى كاذبة، كي أذهب إلى ذلك المبنى، الذي يقبع مكتبها بداخله، لعلي أختلس نظرة إلى عينيها وهدوئها وجمالها.. فنظرة منها، كانت تكفي لكي أسرح بها مليًا، وأحلم بها طويلًا في ليلي، الذي هو أصلًا طويل وشاق، فضلًا عن نسج خيالات، يبدو أنه كان من الصعب تحقيقها، وهذا بالفعل ما كان.
بعد ثلاثة أشهر، استطعت أن أعرف اسمها، من خلال زميل لي، كان سببًا في أنني استطعت سماع صوتها العذب الهادئ.. وذلك بعد أن تقربت منه، كي يطرح عليها السلام، أو كلمة صباح الخير، وأنا بجانبه.. فعندما قال لها صباح الخير، ردت، بكل ثقة وعنفوان وشموخ، صباح الخير، لكن بأسلوب لم اعتده من قبل، ولم أسمع بمثله.
أيقنت حينها، أن صباح خيرها، غير صباح خيرنا.. وكأن لسان حالي يقول كما يقول الأديب توفيق الحكيم: “مصيبتي هي عجزي عن إخراج ما في نفسي عندما تصورته لأول مرة”.
وتيقنت أيضًا، بأن الملاك يتكلم مثل كلامنا، ولكن أكاد أجزم بأنني لم أسمع بحياتي اجمل من صوتها وابتسامتها.. فعندما تنظر إليها، يُخيل اليك للحظة بأن الحياة كلها جنة، وعندما تبتسم لك تتيقن بأنها الهموم ستزول بإذن الله عزوجل.
لم استطع وقتها، إلا أن أقول لها صباح الخير، بعدما قام صديقي بتعريفي عليها، وأقولها بصراحة أنني احسست بأن صباح الخير، احتاجت مني نحو دقائق لكي تخرج من فمي، وهيئ لي وقتها بأنني تلعثمت عندما نطقت بهاتين الكلمتين.
تجرأت، وتقدمت لخطبتها، لكن، كما قلت سابقًا بأن هناك أحلام لا يمكن أن تتحقق، فهناك دومًا ظروف أو أفكار بالية، أو ذلك هو النصيب.. كما أنها لم تُظهر لي أي إشارات، تُوحي بأنها متمسكة بي، ولو أظهرت لخضت حروبًا بأظافر يدي الضعيفتين، لكي أظفر بها.
كانت تتعمد بألا تظهر لي شيئا من الود أو المحبة، ولا أعلم لماذا، إلا أنني متأكد، أنها مرتاحة لي، فهذا ما استطعت أن أخرجه من حلقها بصعوبة بالغة، لدرجة أنني توقعت بأنها بخيلة جدًا، فاللئيم حتى بمشاعره بخيل.
بدأ إحساس يدخل خلجات قلبي، بأن الملاك قد يملك مشاعر سوداء، أو قلبًا هو عبارة عن حجر من صوان، لم ولن يلين.. فالشيء الوحيد، الذي بت متأكدًا منه، بأنها ما تزال تعيش في زمن آبائها وأجدادها، وتعيش في وهم اسمه التاريخ لم تنسه، حيث كانت دومًا تُذكرني فيه بقولها بأن “التاريخ لا يُنسى”، لكنها لا تعلم بأن لكل زمان دولة ورجال.
كيف لا يُنسى التاريخ؟، فمع أننا أصحاب حضارات وامبراطوريات وفتوحات، لكننا نسيناها كلها، بل صارت في غياهب الجب، ونسينا أيضًا شموخ أجدادنا وكرمهم وأصالتهم ورجولتهم وشجاعتهم.
يا ليتني أستطيع البوح باسمها..

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock